Pages

دليفري للبهوات

Monday, June 2, 2014

اللحظات الأخيرة للسفينة «نورماندي – تو»



بدعوة من المعلم حنفي شيخ «الصياديون» في السويس، أقيم مؤتمر شعبي حاشد واحتفالية لتدشين السفينة "نورماندي تو"، وهو ما يتزامن مع نقل ملكيتها إلى اثنين من المستثمرين الجدد.
هكذا قد يبدو الخبر "الآمن" الذي يبعث به مراسل صحفي محلي في 1957، لكن المشاهدة السينمائية توفر لنا فكرة تفصيلية أفضل عن هذا الحدث الكلاسيكي: مدام حنفي (أم حميدة) تستقر في حلق المسرح، تقدم نفسها قبل المعلم وتسلم قيادة الباخرة نورماندي إلى أصحابها الجدد، مع مداخلة ضرورية من المعلم حنفي شخصيا لتوضيح أنها "نورماندي- تو" لزوم الدقة التاريخية (حيث أن "نورماندي- ون" قد غرقت منذ زمن)، تعيش أم حميدة سيدة البحار، ثم يعيش البحر الأحمر المتوسط، والآن أيها الإخوان، المجتمعين في هذا الصيوان، من سالف العصر والأوان، يستلم حسن أفندي القبطان وابن حميدو أفندي القرصان المفتاح الذهبي للباخرة العظيمة؛ "نورماندي- تو".
تو.. تو..تو..تو....
ينغمس الجميع في الرقص على النغمة الارتجالية، ويجتهد المعلم حنفي في تحريك كرشه العظيم مستخدما أروع آليات التوافق العضلي العصبي (بتكنيك يظل سريا حتى تكتشفه راقصة أوكرانية بعدها بأكثر من نصف قرن)، دافعا الجميع، نحن والمجتمعين في الصيوان، لتجاهل حقيقة أنه هو الشرير الحقيقي في هذه الحكاية، وليس الباز أفندي وعصابته، أو حتى زوجته الطاغية.
تعرفوا على الريس حنفي: شيخ صيادين لم نره يمارس الصيد أبدا، وبينما يحتفظ بملابسه التقليدية، يمارس السمسرة والنصب على الشباب الناهض، ويستثمر ابنتيه في المزيد من الأعمال الجيدة. الصغرى عزيزة يقايض بها مع الباز أفندي الذي يضمن له عقد العمل مع العصابة الأجنبية، ظاهريا مهمته معهم هي خادم سفاري، في شخصية أقرب لرئيس الحمالين الأبله بمغامرات طرزان، لكنه في الحقيقة مجرد واجهة لعمليات التهريب. ابنته الكبرى حميدة يعتبرها تهمة سماوية ويسعى (حرفيا) لإلصاقها بغريب خفيف العقل تعرف إليه منذ ساعات، ونصب عليه لتوه في صفقة السفينة. عملية التزويج نفسها كان يتغاضى فيها عن محاولة ابنته للتقرب من إنسان الغاب طويل الناب.
وضمن حديثه المسموم على المسرح، يرسل بشفرات خفية إلى الجماعة الإرهابية التي تم حظرها للتو.. ألم يقل "أيها الإخوان"؟ هذا هو مفتاح الرسالة، وعلينا البحث عن باقي العناصر. إصراره وضغطه المتكرر على كلمة "تو" بالتأكيد هو جزء من الرسائل المشفرة.
لكننا لا نكاد نرى الشر في شخصية الريس حنفي. نتذكر فقط كلمته التي لا تنزل الأرض أبدا، ولكنها تنزل بعد تحذير متبطن في نداء الزوجة القوية العفية. يكون هذا كافيا لنعتبره جناحا ديموقراطيا داخل تلك العائلة البائسة، التخبط والأداء المرتعش نعتبره محاولة منه للمقاومة وسط الشر الكلاسيكي المحيط به.
يستريح الناس للنماذج، بمجرد رؤية الراقصة لاتانيا والعصابة ستُحيلك الذاكرة إلى عشرات الأدوار التي كانوا فيها أشرارا، هم أشرار طبيعيون والأسماء الأجنبية تضفي فقط بعدا دوليا على المؤامرة، ويعاونهم الشرير السينمائي الأصلي الباز أفندي ي دور محامي الشيطان (ساقط توجيهية، وكيل أعمال وسمسار مراكب وقباني وبالعكس، وعليه ربطة كرافتة ترد الروح حسب ما يعتقده الريس حنفي والمزيد من السيدات المتشوقات إلى الأناقة الغربية).
من الطبيعي أن يأتي الأشرار من الخارج، هذا مريح إضافة إلى أنه في الحقيقة دورهم الطبيعي، ومعهم الشرير الوسيط، ولكن ضررهم لا يُقارن بالشرير الأبله الذي يُضحكنا. تخيل مهمة هؤلاء الأشرار بدون حركة كرش الريس حنفي، والدويتو الخاضع أمام زوجته، سيكون من المستحيل إتمام "العملية بطن الزير"، بدون حركات إلهاء واستعباط.
لكن مشهد تدشين السفينة عابرة البحار يكشف لنا عن مستوى آخر من الإلهاء: تم تصوير المشهد من 3 زوايا، الزاوية اليسرى تعتني بتقديم مثلث الإغراء الذي تسيطر عليه عزيزة (في مظهر مارلين- مونروي صاعق بضفائر مراهقة قصيرة(، الزاوية اليمنى من بطولة ثنائي العبط ابن حميدو وحميدة اللذين يرتجلان في أداء صامت ينتمي إلى كوكب آخر. الإلهاء بالإغراء والعبط.
أما الزاوية الوسطى فتنقسم إلى مقاسين، مقاس متوسط لزوم تفخيم مظهر المتحدثة الرسمية باسم عائلة الريس حنفي، ومقاس آخر واسع يُظهر هؤلاء المجتمعين في الصيوان من الخلف، ويقدمهم كمجموعة متنوعة من الأقفاء (جمع قفا)، فهذا قفا بلدي، قفا عامل، قفا أفندي.. وهكذا (كلهم صيادون في النهاية)، مهمتهم هي التصفيق في كل وقفة بالخطاب، والرقص على نغمة "تو"، كما يتطوع أحد الهتيفة مرتين بتحية العائلة التي تعتلي المسرح.
يبدو «الصياديون» وكأنهم سبب آخر للضحك، أو البؤس في الحقيقة، لكن دعونا نتذكر أن سمعة "نورماندي – تو" كانت معروفة للبلد كلها، بمن فيهم المستثمرون الغريبون، حتى أن حسن أفندي عديم الخبرة كاد يفككها على رصيف الميناء. قد يكون «للصياديون» دور في عملية النصب، لكن الحقيقة أن 20 جنيها هو مبلغ يستحيل توزيعه على هذا الجمع، وهم يعرفون هذا، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأنهم في الحقيقة يتماهون مع هذه البلاهة المؤسسية المحيطة بهم، وأن دافعهم هو حبهم للاحتفال والضحك من وقت لآخر، أيضا الفرجة على الجميلة الشقراء، ولن يضر الهتاف لمجاملة كبراء البلد.
لكننا، وإياهم، نعرف جميعا كيف انتهت الأمور:
تتجه مدام حنفي إلى السفينة "نورماندي – تو" وتدشنها بزجاجة كما تقتضي التقاليد البحرية العريقة، وتنزلق السفينة نحو المياه الهادئة، لتغرق في ثوان معدودة وتستقر في القاع. لا مفاجأة الآن.
في اليوم التالي، وفي مشهد لا نراه، يشترك الجمهور مع الريس حنفي في انتشال الغارقة، يبدون جادين كما تستدعي هذه الظروف السيئة، غاضبين لأنهم يتحملون عبء تنظيف الفوضى التي أحدثها هذا الشرير العبيط، وربما تكون هذه مقدمة، أو ترضية مؤقتة، حتى ظهور الأشرار الحقيقيين الذين تسببوا في كل تلك البلاهة.

- نُشر هذا المقال على بوابة الشروق بتاريخ 4 يناير 2014

لمشاهدة حفل تدشين السفينة "نورماندي- تو:"


Saturday, January 18, 2014

أصول الملامسة



اليد باردة ومنتفخة. تحسستها محاذرا أن أحرك الكانيولا التي أصبحت جزءً من نسيجها، وستتقادم غدا ليبحثوا عن مكان آخر لها.
أتحسس اليد ممتنا بعد ليلة مجنونة قضيناها سويا في أروقة وغرف تؤدي إلى العناية المركزة.
أتذكر علاقتي بهذه اليد، باطن الكف في الحقيقة، منذ سنوات بعيدة، عند عودته من الحج، كنت أنتظره عند حاجز المطار، وأرى العيّال ينطلقون نحو ذويهم بمجرد رؤيتهم من بعيد، في تواطؤ واضح من الحواجز التي تتسع قضبانها لجسد طفل دون الثامنة، مع موظفي الأمن والأهل أيضا.
عندما جاءت اللحظة، قمت بما يتوجب عمله، جريت حتى وصلت إلى ذات الكف، كانت في مستوى رأسي. كانت هناك تربيتة على وجهي احتوته بالكامل، لكني شعرت بالسخافة وأعدت بصري للجمهور المنتظر.
قالت أمي في أسبوعها الأخير إنها نادمة لعدم اعتيادها على تقبيل أولادها وأن تتحسسهم. كنا 3 ذكور، ولسبب ما صرنا جميعا متحفظين، وفي واحدة من زياراتي الأخيرة لها ترددت قليلا وأنا "أطبع" قبلة على جبينها، وعرفت هي ذلك، ونقلته إلى خالتي.
كانت هناك قبلة واحدة طويلة على جبينها، صادقة وغير مترددة، لكن الأم لم تكن حية لتدرك هذا.
في جلسة لاحقة، بعد عدة سنوات، نفس الخالة شعرت بأنها بحاجة لمعانقتي وشقيقي؛ نفس التردد، وكأنها تطبع العناق.
عندما أدخل البيت يكون في انتظاري ولدين في ارتفاع كفي، أحدهما، على الأقل، يدرك وصولي قبل حتى أن أصل إلى الباب، يتلقيان تربيتة الكف بسعادة، ويبادلاناها بتقرير الكوارث اليومية، وهو شيء لم أكن أجرؤ على فعله.
يقول أحدهما إنه لا يريد أن يصبح عجوزا مثل جده، هو يريد أن يصبح مثلي وليس أكثر. نفس الفكرة كنت أعتقد بها منذ وقت قليل، أنني لا أكبر، حدث هذا منذ ثانية واحدة على الأقل.
كان جدي رجلا مهيبا، ينقصه كلاشنكوف ليصبح أحد المجاهدين الأفغان كما وصفه صديق لي، لكن سر مهابته عندي كانت في طوله، كان طويلا لدرجة إعتقادي لفترة أنه يقطع أي مشوار في خطوة واحدة، بينما ألهث أنا للحاق به. في المرات القليلة التي أمسك فيها بيدي، كنت أتعلق بها، حرفيا.. خاصة تلك المرة التي تهت فيها بمحطة القطار.
تحكي خالاتي أنه كان رجلا قويا ومخيفا، قبل أن يتحول إلى طفل بريء بين أيديهن في أيامه الأخيرة. كنت أصافح يده النحيلة التي امتلأت بالنمش، وأراقب جسده وهو يغوص في السرير حتى صار أرق من البطانية التي تغطيه.
أتذكر أول لمسة يد مع فتاة؛ لم أشعر بشيء، وعندما تكرر الأمر مع يد أخرى، قلت لنفسي إن الموضوع مبالغ فيه، ولم أقل لهن هذا بالطبع.
ومنذ سنوات، قابلت فتاة غريبة الأطوار تمارس التدليك للأطفال الرضع، زميلة لي رفضت الفكرة ووجدتها منحرفة، وكنت أتمنى أن أصور رفضها بالهيستيري، لكنها في الحقيقة رفضت الفكرة بحسم، قالت فقط إنه "شيء خاطئ"، وانصرفت.
ولا أحتاج لتدليك فردي النينجا هؤلاء في البيت، فمزاحنا حيواني يليق بقطيع من الذئاب، ويتألف معظمه من العض الهين. أما عن التدليك، فهو موجود، عندما يقفان فوق ظهري لمطاردة العضلات المرهقة. الصغير بمجرد أن يتمالك توازنه فوق ظهري، فإنه يقفز عليه بطريقة تكفي لبعثرة كل نقاط الشاكرا العزيزة.
ثم يطالب بأن أحمله "حليب يا لبن"، ثم دور آخر للأكبر، وآخر تعويضي للأصغر صاحب الفكرة.. وهكذا.
أتوقع النصف الثاني من الدائرة: الولد الصغير، وهو الأكثر ودا في قطيع الذئاب الصغير، بعد سنوات، عندما تتصاعد من تحت إبطه الرائحة الشهيرة وهو يمر بالصالة مرتديا الفانلة الحمالات التي تكاد تنفجر بسبب عضلاته البارزة، يقابلني وأنا في رحلتي اللحوحة إلى الحمام، بمثانة محترقة، أقف وأنظر له بمعنى أنني أطلب مساعدته وأستكبرها في نفس الوقت، وتمر ثانية طويلة، قبل أن يمد يده إليّ، مترددا.. وأتلقاها ممتنا.
أمتلك كفا ضخما، في الحقيقة قابلت شخصا واحدا فقط يمتلك كفا أضخم مني، وهو ليس أبي بالمناسبة.
وعليّ أن أعترف أنه كف ناعم ومرفه، أقصى خشونة له قد تأتي من ممارسة الرياضة، وعندما خرجت زوجتي من غرفة العمليات بعد الولادة، وهي تحت بقايا تأثير التخدير، سألت عني، فقالوا لها إنني أمسك بيدها الآن، ومن تحت طبقات المخدر أصرت أن هذه ليست يدي. كانت يد خالة لها تداعبها.
تكتسب أيادي الأمهات المخضرمات خشونة من كثرة التعامل مع الماء وغسل المواعين.
وفي أوقات أخيرة، عندما يعجز الكبد عن الاستمرار بمهمته، ويصبح الجسد أغبى من أن يقوم بتصريف السوائل الزائدة، فإنه يحتجز المياه في تجاويفه، ويصير الجلد مشدودا، والبشرة بلاستيكية ناعمة. تنتفخ الأطراف، ورغم تسارع ضربات القلب تصير باردة.
أعود إلى اليد الباردة المنتفخة، وأتمنى أن أوصل لها بعض الدفء قبل أن تبرد يدي أيضا.

-        نُشر هذا كمقال في بوابة الشروق بتاريخ الخميس 16 يناير 2014، مع تعديلات للمدونة

Saturday, November 23, 2013

سنوات الكوّر الضائعة: عن الألم القومي الذي نحب استعادته



إنها إحدى ساعات الصباح المزدحمة بالقاهرة، تعلن المذيعة عن المواجهة المصيرية للمنتخب المصري التي ستؤهله لكأس العالم، إلا أنك، وبدون إشارة من صناع الفيلم، لا تحتاج لإدراك إلى أي مدى يبدو المشهد كله معتادا (المواجهة المصيرية وليس الزحام). تضيف المذيعة للديباجة المعتادة أن القرعة الإفريقية "وضعت" المنتخب في المواجهة، كأنه مصير لا فكاك منه، ولهذا صار علينا التحسب له في أكثر لحظات تفاؤلنا، وهو ما فعله المخرج "إياد صالح" بفيلمه الوثائقي القصير، حيث يبدأ الفيلم بصوت المذيعة كأنها تطرح سؤالا مرعبا، ثم تعود نفس المذيعة قبل النهاية لتعلن نفس الخبر، وكأن الفيلم نفسه يتحفظ في الحلم، أو هو يتجنب الحديث عنه تجنبا للحسد.


"سنوات الكوّر الضائعة – لماذا لا تصل مصر إلى كأس العالم؟" هو الفيلم الوثائقي السادس للمخرج إياد صالح (بالإضافة إلى كتابة وإخراج الأفلام الروائية والبرامج)، معتمدا على تمويل صغير من خلال شركة "Handmade-Studios"، ومنطلقا من فكرة بسيطة وشعبية بشكل غير معتاد على الأفلام الوثائقية التي تهتم عادة بموضوعات جافة ليست الكرة من بينها، وهي عن ذكريات جيل الشباب الذي عاصر الفشل المتتالي للمنتخب المصري، حيث تحولت هذه الذكريات إلى وسيلة تعذيب مستمرة لهم.

"بعد 24 سنة من طيش رجلين لاعيبة مصر قدام مرمى الخصم، اتحول كاس العالم في عيون الجيل ده لضلع المربع اللي بيكمل بيه المستحيلات التلاتة".. يبدأ الفيلم مرحلته الحاسمة بهذه الجملة، ليلخص مراحل الإخفاق في 5 لقطات أساسية فارقة تمتلئ بالتفاصيل المرة والساخرة:

-        طوبة زيمبابوي ومجدي طلبة (1994): بعد الفوز على زيمبابوي في القاهرة، تم إلغاء نتيجة المباراة بسبب ألقاء الجمهور بالحجارة على مدرب الضيوف، وأعيدت المبارة في مدينة ليون الفرنسية، حيث أضاع مجدي طلبة هدفا جرح به الشعب المصري كما يقول "عمر طاهر" (كاتب يظهر كشاهد على الأحداث).

-        هدف وايا (1998): في مباراة مصيرية أخرى أمام ليبريا، التي خرجت لتوها من حرب أهلية، ولا يوجد بها إلا نجم واحد هو "جورج وايا" (والذي كان يتكفل بالفريق ماديا وترشح بعدها لرئاسة بلده)، ثم إحرازه هدفا في مرمى عصام الحضري أطاح بنا من التصفيات، وأجبر الحضري على حلاقة شاربه بعدها.

-        السعيد / عمارة (2002): إخفاق جديد، أمام المغرب هذه المرة، وأثناء تفوق طاغي للمنتخب المصري، حيث أضاع السعيد انفرادا محققا، ووقتها كان واحدا من أفضل لاعبي مصر، ثم في مباراة العودة يحرز مصطفى حاجي هدفا أسطوريا، ثم في مباراة أخرى يضيع محمد عمارة هدفا في مرمى الجزائر الخالي، ويقول أحمد شوقي (أحد الشباب المشاركين) أن هدفا كهذا لم تكن قطته المنزلية لتضيعه.

-         تارديللي (2006): يصف المشاركون أن هذه المرحلة كانت عبارة عن عملية نصب قام بها المدرب "ماركو تارديللي"، وانتهت بتصفيات مهينة أمام منتخبات الكاميرون وساحل العاج.. وبنين.

-        أم درمان (2010): الصعود إلى الهاوية، فبعد فترة شعرنا فيها بأننا أفضل منتخب إفريقي، وبعد فوز 4 مباريات على التوالي، وصل الأمر إلى مباراة حاسمة أمام الجزائر في أم درمان، انتهت بهدف صاعق.. للجزائر. لا حاجة للمزيد من التعليق.

تكوين الفيلم كلاسيكي رغم موضوعه غير المعتاد، فهو يعتمد على شهادات مجموعة من الشباب الذين شهدوا الانكسارات الكورية الدورية حتى صارت اعتيادية لديهم وتستحق السخرية، والتجديد هنا هو في إتاحة الفرصة للكلام بصيغة تبتعد عن رسميات الأفلام الوثائقية، مع تدخلات قليلة من مخرج الفيلم في دور الراوي، وبالطبع مع خلفيات متعددة من تسجيلات المباريات.

ينتهي الفيلم بتحفظ على آمال التأهل عن طريق غانا، فبعد استعراض 5 مراحل من الفشل (وآخرها كان قاسيا للغاية في الحقيقة)، يلعب الفيلم على الألم لا الأمل، من حيث كون هذا الألم جماعيا وصالح للتداول حاليا بعد نزع الدسامة منه.

إلا إن الفيلم ليس حزينا، على الإطلاق، هناك لقطات تبعث على الفخر وسط الهزيمة (خاصة خلال مباراة الجزائر)، وهناك انتقادات لطريقة تفكير المصريين والكرة نفسها، وهناك سخرية حارقة لدرجة أن أحد الشباب المشاركين يتكرر عدم درايته بالأمر على الإطلاق (هناك احتمال أن يكون يؤدي دورا مكتوبا)، والمشاركون أنفسهم يتحدثون بجدية عن رغبتهم في تعذيب لاعبي المنتخب على إضاعتهم لكل هذه الفرص، وعنوان الفيلم نفسه مقتبس عن عنوان برنامج "سنوات الفرص الضائعة" لـ"مصطفى الفقي"، وينتهي الفيلم بالشباب يعلنون "بتحفظ" عن أملهم في التأهل، وهي لقطة يكسر جديتها وهشاشتها عبارة ساخرة لأحدهم يطالب فيها الفريق "عبد الفتاح السيسي" بأن يتخذ كل ما يلزم من أجل ضمان تأهلنا.

ويظل الفيلم دليلا على أن كأس العالم صار "ألما قوميا محببا"، فقد تم إطلاقه قبل يومين فقط من مباراة مصر وغانا التي انتهت بنتيجة كارثية (وننتظر معجزة سماوية حقيقية لكي نعوضها في لقاء الإياب بالقاهرة في مساء 19 نوفمبر)، وعكس ما كان يتوقع صناع الفيلم، فقد أظهرت نتائج عرضه على يوتيوب اهتماما متزايدا بالموضوع رغم الهزيمة الثقيلة، حيث جذب الفيديو 170 مشاهدة على يوتيوب في اليومين السابقين للمباراة، ثم قفز الرقم إلى 250 ألف مشاهدة في الأيام الحزينة التالية (حسنا، لم تكن حزينة جدا وانتقلنا كلنا سريعا إلى حالة السخرية والأمل العبثي)، واستمر الاهتمام بمشاهدة الفيلم في الشهر الفاصل بين المبارتين، ليصل الآن، قبل ليلة من المباراة الثانية، إلى 510 ألف مشاهدة.

إنتاجيا، يعني هذا أن أرض يوتيوب على وشك أن تثمر مالا لصناع الأفلام الصغيرة أيا كانت نوعيتها (بغض النظر عن النجاح الاستثنائي للمذيع باسم يوسف الذي نمى نجاحه بمساعدة شركات إعلامية ضخمة)، وأن كرة القدم، والنستالجيا الحزينة المؤلمة، يصلحان لصناعة أفلام ناجحة خارج سيطرة مؤسسات السينما والإعلام التقليدية.

 - نُشر المقال في "بوابة الشروق" بتاريخ 18 نوفمبر 2013 بعنوان: شاهد فيلم «سنوات الكوّر الضائعة».. الساحرة التي تعذب المصريين كل أربع سنوات

Wednesday, October 2, 2013

مقدمة في نسيان مذبحة ماسبيرو



في مساء الأحد 9 أكتوبر 2011، في ذكرى تحل بعد أسبوع من الآن، وقعت مذبحة ماسبيرو التي راح ضحيتها ما لا يقل عن 24 متظاهرا.. معظمهم من الأقباط.
في هذا اليوم كنت أقوم بعملي كمحرر في قناة التحرير ببرنامج "في الميدان" الذي يقدمه الأستاذ إبراهيم عيسى، ومن ضمن واجباتي متابعة المراسلين العاملين على الأرض، ومنهم هدير صبري التي صاحبت مسيرة ضخمة للأقباط خرجت من شبرا.
كان يوما عاديا بمقاييس تلك الأيام: كنيسة احترقت وغضب الأقباط لحرقها فقرروا الاعتصام أمام مبنى ماسبيرو، وفي يوم 4 أكتوبر قامت قوات الأمن المركزي ومن بعدها الشرطة العسكرية بفض اعتصامهم بعنف، ولهذا قرر الأقباط الخروج بمسيرة ضخمة للاحتجاج، وتعرضت مسيرتهم لاعتداءات عند كوبري السبتية، مواطنون شرفاء غالبا (رغم أن المصطلح لم يكن تبلور وقتها). لا خبر جديد، يوم عادي من تلك الأيام.
كان زملائي في البرنامج قد بدأوا في الوصول عندما وصلت معهم الأخبار: الجيش يطلق النار على المتظاهرين ويدهسهم بالمدرعات.
أن يطلق الجيش نيرانه على المتظاهرين، كان هذا حدثا، لكن لم يكن غريبا، الغريب هو كون الضحية من الأقباط، وهم كانوا معروفين بعدم ميلهم للعنف، سجلهم نظيف في هذا الشأن.
لهذا كنت متشككا، واتصلت بهدير لأسألها عن الأحداث، وروت الأحداث بمنظور لا يختلف كثيرا عما نعرفه حاليا بمذبحة ماسبيرو، لكني كنت مصرا أنا أسألها في كل تفصيلة "شفتِ بعينك؟ دم دم؟ مدرعات الجيش؟".. وكان تأكيدها هو الإجابة. قضيت الوقت التالي في تجميع فيديوهات من على الإنترنت وتجهيز مواد من شرائط الفيديو التي أرسلتها هدير.
قبل البرنامج بأقل من ساعة، جاء الأستاذ إبراهيم عيسى إلى غرفة التحرير. لم يكن معتادا أن يفعل هذا، فقد كان معتادا أن يذهب إلى غرفته ومنها مباشرة إلى البلاتوه، لم يخرج عن عادته تلك إلا في الحلقة الأولى، وبهذا اليوم.. فقط.
كان واضحا علينا الارتباك، أنا شخصيا كنت غاضبا بشكل يمنعني من التركيز في كل شيء، لهذا  اقتنعت وقتها بملاحظته عن الأحداث: أنه يستحيل أن يقوم الجيش بهذه المذبحة لأن تسليحه أقوى وأغشم من هذا، وبحسبة بسيطة، إذا فتح الجيش نيرانه على المتظاهرين، لن يتوقف رقم الضحايا عند دستة كما بلغنا وقتها.
كنت أريد أن أعرض عليه الفيديوهات التي جمعتها فذهبنا سويا لغرفة المونتاج، وبصراحة لا أتذكر ملاحظاته عن الفيديوهات، لكن أتذكر أنه تحدث معي عن أن هذا ليس أسلوب الجيش أو الداخلية، والأخيرة لو أرادات منع المسيرة لكانت ضيقت عليها وأرهقتها بالهجمات الجانبية. قلت لنفسي أنه تفكير استراتيجي صحيح، لكني اندهشت من درايته به.. لم نكن وقتها قد تمرسنا جدا على علوم الكر والفر، كما أنه يفكر من زاوية الشرطة لا المتظاهرين.
قبل البث على للهواء بدقائق، أبلغنا في غرفة التحكم أن نتصل بهدير: عليها أن تكون هادئة في مداخلتها، بدون تأثر أو زيادات عاطفية. كان الأمر حاسما، مع مسحة تهديد.
عملي في غرفة التحكم به دستة واجبات على الأقل، لهذا لا أتابع الحلقة غالبا إلا في نهايتها عندما يهدأ الإيقاع (أتفرج عليها معكم الآن كأنها المرة الأولى)، ولهذا لا أتذكر الآن من الحلقة إلا ضيوفها.. كانت هناك منى مينا التي كانت مكتومة، طبيعتها في الأصل هادئة ولكنها كانت في هذا اليوم مكتومة كمدا (وربما كانت تلك الليلة الأخيرة التي تظهر فيها بشعر غير أشيب)، ومعها جاء كمال أبو عيطة وآخرون لا أتذكرهم. استغربت من وجود كمال في هذا اليوم وحديثه عن النشاط النقابي.. لكني لم أستغرب من إصراره على أن يكون كلامه مطمئنا للمشاهدين، كرر أكثر من مرة أن الأمر لن يوقفنا وسنتجاوزه وسنكون أفضل، لكنه كان يبدو وكأنه يريد أن يتفادى الكلام عن الحادث.
لم أستغرب من كلامه لأني كنت أحتاجه، كنت أحتاج لمن يطمئني.


======================================

والباقي تعرفونه: شريط تليفزيون ماسبيرو يؤكد مصرع اثنين من جنود الشرطة العسكرية بأيدي الأقباط. مذيعة الأخبار رشا مجدي وهي تطالب المواطنون بالنزول من بيوتهم لحماية الجيش. أهالي بولاق أبو العلا تطوعوا لخدمة السلطة كعادتهم. ملتحون يتقدمون الدبابات في ميدان التحرير وعبد المنعم رياض ويهتفون ضد القتلة من الأقباط. مدرعات مرتبكة. مظاهرات للقصاص ثم محاكمات صورية لم تسفر عن شيء.
وما نعرفه ولا نتحدث عنه: بخلاف الثوار المحترفين، معظم الناس كانوا مؤيدين للجيش، قابلت سيدة مسنة تترحم على أحد الجنديين المقتولين ولم تنتبه أصلا للقتلى الأقباط ولا كونهم أضعف وعُزل، رجل عجوز آخر كان ينظر للمدرعات وهي تدفع أجسادهم ولا يرى إلا أنهم يلقون بأجسادهم أمامها، هؤلاء كانوا من أقاربي، متعلمين ومستقيمين ورحماء.. إلا فيما يخص الدولة.
وما تعرفونه وتتجاهلونه: أن الأستاذ، إبراهيم عيسى، ظهر منذ أيام وهو يقول أن قتلى رابعة لا يزيد عددهم عن 300، وهو رقم قليل، أما كمال أبو عيطة فقد أصبح وزيرا للقوى العاملة، وكانت أهم إنجازاته هي التصالح مع اتحاد نقابات عمال مصر، وهو الاتحاد الذي قضى حياته محاولا الاستقلال عنه، واليوم فقط قامت قوات الشرطة بفض اعتصام للعمال من أمام وزارته.
وما عرفته وأرغب أن أنساه: أن الأقباط، على الأقل من أعرفهم وتكلمت معهم مؤخرا، قرروا نسيان تلك الليلة.
وما أعرفه ولا أنساه: مشهد لمدرعة تعتلي تلا أنا في أسفله، مقدمة المدرعة تعلو وتعلو وأنا مستسلم، صار هبوطها عليّ أمر واقع لا محالة، وأفكر رغم رعبي في مقدار الألم بعد أن يفرم جنزيرها لحمي وعظمي. لقد توقف هذا الكابوس عن مهاجمتي، أو لم يتوقف، لا أعرف، فصورة المدرعة المجنونة واللحم المفري لا تفارقني.
يسمونها أحداث ماسبيرو، هي عندي مذبحة.. ولازالت.