Pages

دليفري للبهوات

Monday, June 25, 2018

في 8 خطوات: كيف يخطط العرب لخسارة الأوسكار هذا العام مع سبق الإصرار؟

تخبرنا ويكيبيديا أن العرب فازوا في عام 1970 بجائزة أوسكار أفضل فيلم أجنبي من خلال الفيلم الجزائري "Z" للمخرج اليوناني الفرنسي كوستا جافراس، لكن هذا غير صحيح لسبب بسيط، وهو أن الفيلم ليس عربياً ودور الجزائر كان في تمويله فقط.

حسناً، لقد شارك العرب رسمياً بـ99 فيلماً حتى الدورة الأخيرة من الأوسكار، ولم يحصل أيها على الجائزة رغم وصول 8 أفلام منها لقائمة الترشيحات النهائية.
هذا العام أضافت الدول العربية 8 أفلام لقائمة المحاولات التاريخية، ضمن 92 فيلماً من أنحاء العالم، ومن المنتظر أن تعلن أكاديمية علوم وفنون السينما عن قائمة أقصر بعد فحص أوراق تقدم هذه الأفلام في الأسبوع الثاني من الشهر الحالي.
يفشل العرب في الفوز بهذه الجائزة طوال 57 سنة رغم تعدد المحاولات، ورغم مخزون السينما العربية من الأفلام الجيدة على مر السنوات. ربما تكون المشكلة في الاختيار نفسه، وهو ما تكشفه لنا مسارات لجان اختيار الأفلام هذا العام: إنهم يلتزمون بواحدة أو أكثر من هذه القواعد الذهبية التي تؤدي حتماً إلى الخسارة.

الأردن: أن تدعم الفيلم ثم تمنعه ثم تعرضه ثم تتجاهله

في الأردن ذي الصناعة السينمائية الناشئة، تلعب "الهيئة الملكية الأردنية للأفلام" الدور الأساس وربما الوحيد هناك، من بين نتائج جهود الهيئة وصول فيلم "ذيب" إلى قائمة ترشيحات الأوسكار النهائية قبل سنتين.
هذا العام لم تقدم الهيئة أي فيلم للأوسكار، الفيلم الوحيد الذي اقترب من تمثيل الأردن هو "إنشالله استفدت" للمخرج محمود المسّاد، وهو تقريباً الفيلم الروائي الوحيد الذي تم إنتاجه خلال السنة الماضية، لكنه ممنوع لأسباب رقابية.
العرض الأول للفيلم كان في فبراير/شباط 2017 بتنظيم الهيئة الملكية للأفلام، بحضور أعضاء من العائلة الملكية، مما قد يعني حصول الفيلم على درجة ما من الرضا الرسمي، إضافة لدور الهيئة في دعم الفيلم أثناء مراحل صناعته.
يتناول الفيلم قصة مواطن أردني يقوم بعملية احتيال بسيطة تلقي به في السجن، حيث يجد نفسه في عالم جديد مُكتفٍ ذاتياً. عالم له قوانينه اليومية المستقلة واقتصاده الخاص. ورغم أن الفيلم ينتقد بشكل ما الفساد الحكومي، وهو السبب المرجح لمشاكله المقبلة، فإن بعض النقاد يرونه كان "مهذباً" في تناول القمع داخل السجن.

2- وأن تُحقق عسكرياً مع مخرج الفيلم - لبنان


المفاجأة جاءت بعد العرض الأول بأيام من خلال تصريح من المخرج يكشف فيه رفض الهيئة لمشاهد الفساد الحكومي وطلب حذفها، وردت الهيئة بأنها غير مسؤولة عن منع عرض الفيلم، ثم عُرض الفيلم بالفعل في يوليو/تموز 2017 دون الإشارة لما تم حذفه أو الموافقة على تمريره.
وخلال الأسابيع الأخيرة طُرح اسم الفيلم كممثل وحيد ممكن للأردن هذا العام، ربما كنوع من الضغط الإعلامي من صناع الفيلم على الهيئة، لكن الهيئة صمتت ومرت الأيام ولم يقدم الأردن أي فيلم لتمثيله.
ربما لم تفكر السلطات اللبنانية على هذا النحو، لكن لا توجد دعاية لفيلم "القضية رقم 23" في الأوسكار أفضل من خبر توقيف مخرجه زياد دويري عن طريق القضاء العسكري، وهو الفيلم المختار رسمياً لتمثيل لبنان في الأوسكار. حدث هذا بعد أيام من مشاركة الفيلم في مهرجان فينسيا السينمائي، حيث فاز بطل الفيلم كامل الباشا بجائزة أفضل ممثل.
ويتناول الفيلم خلافاً بين مواطن مسيحي متطرف ولاجئ فلسطيني يتحول إلى صراع قضائي يفتح ملفات الحرب الأهلية.
توقيف دويري جاء بسبب شكوى مقدمة ضده بسبب قيامه منذ 6 أعوام بتصوير فيلمه "الصدمة" في إسرائيل، وعلى الرغم من عدم توجيه اتهام رسمي إليه، تظل التهمة معرضة لتحريكها ضد المخرج الذي يحمل الجنسيتين الفرنسية واللبنانية.
الفيلم لاقى اهتمام النقاد الأميركيين، ووصفته مجلة The Hollywood Reporter بأنه "قطعة فنية ساحرة"، وهو ما سيدعم مشواره في الأوسكار، كذلك يستفيد الفيلم من سمعة دويري الذي عمل لفترة في السينما الهوليودية، وهو الأوفر حظاً بين كل الترشيحات العربية.

الجزائر: أن تبحث عن داعش باللغة الفرنسية


يظن الكثير من السينمائيين العرب أن اختيار فيلم لتمثيل بلادهم في الأوسكار هو بالأساس رسالة معبرة عن الوطن، لهذا يتكرر بآخر سنتين اختيار أفلام تتناول جرائم ما يُعرف بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا.
هذه السنة فضلت الجزائر اختيار فيلم "الطريق إلى إسطنبول" للمخرج رشيد بوشارب، رغم أن التوجه طوال الأشهر الماضية كان لصالح فيلم "في انتظار السنونوات" للمخرج كريم موسوي.
جزء من هذا الاختيار هو اسم المخرج الكبير بوشارب المعروف على الساحة الدولية، لكن الجزء الأكبر يعود لموضوع الفيلم الذي يتناول رحلة أم بلجيكية للبحث عن ابنتها التي هجرتها وانضمت لتنظيم داعش في سوريا.
نفس الشيء قامت به تونس العام الماضي عندما استبعدت فيلم "على حلة عيني" للمخرجة ليلى بوزيد في آخر لحظة، مفضلة اختيار "زهرة حلب" للمخرج رضا الباهي والنجمة هند صبري – بنفس القصة عن الأم التي تحارب داعش لاستعادة ابنها.
هناك فارق واضح في المستوى الفني وسجل الجوائز بين الفيلمين لصالح الأول، إضافة لعدم لحاق الثاني بفرصة العرض التجاري قبل الموعد المحدد، وبالتالي رفضت الأكاديمية هذا الترشيح وخسرت تونس فرصة جيدة للترشح.
في "الطريق إلى إسطنبول"، سيكون بوشارب هو العنصر الجزائري الوحيد بفيلم ناطق بالفرنسية، ولن يكون اسم المخرج عامل ترجيح في مرحلة القائمة القصيرة لأنه هناك بالفعل أسماء كبيرة من الدول الأخرى، أما موضوع داعش فهو توقف عن إثارة الدهشة لدى الغرب منذ زمن.
المفارقة أنه في دولة ذات إنتاج سينمائي قليل مثل الجزائر، فإن هذا ربما سيتسبب العام المقبل في دفع المسؤولين لاختيار "في انتظار السنونوات" كنوع من التعويض أو الحفاظ على رصيدهم من الأفلام الجيدة.

العراق: أن تبحث عن داعش باللغة الكردية

لم يتسبب اختيار فيلم "الرياح السوداء" للمخرج حسين حسن في أي جدال داخلي بالعراق بسبب ندرة الإنتاج والتوافق مرة أخرى على أن موضوع داعش هو الأهم بالتناول.
يقدم الفيلم قصة حب بين شاب وفتاة من الأقلية الإيزيدية على خلفية اجتياح داعش لجبل سنجار، وتُباع الفتاة ويتم اغتصابها وتعذيبها، بينما ينضم حبيبها للقوات المحاربة لداعش.
عنوان الفيلم "الرياح السوداء" هو ترجمة عربية لعنوانه الأصلي الكردي "ريشيبا"، وقد جاء العرض الأول للفيلم في مهرجان دهوك السينمائي الدولي في إقليم كردستان، ثم فاز بجائزة أفضل فيلم روائي في مهرجان دبي السينمائي.
اختيار الفيلم ربما حركته فكرة توجيه رسالة للعالم عن إرهاب داعش وتسامح الوسط السينمائي العراقي باختيار فيلم كردي لتمثيل العراق، وهي رسالة لا تتعدى الاستهلاك المحلي.
وربما تكون لجنة الاختيار نادمة الآن بعد أزمة استفتاء الأكراد للانفصال عن الدولة العراقية.

سوريا: أن تتعالى على الجائزة فتطاردك رغماً عنك

المفارقة الساخرة هي أن النظام السوري ظل يتعالى على المشاركة في الأوسكار طوال السنوات الماضية لكونها جائزة أميركية، والآن تشارك سوريا من باب استثنائي، بفيلم عن جرائم هذا النظام لا يمكن عرضه بالأراضي السورية.
الفيلم الوثائقي "غاندي الصغير" كان مفاجأة الأوسكار هذا العام لتقدمه في الساعات الأخيرة قبل الموعد النهائي، مع استثناء خاص لشرط العرض لمدة أسبوع في بلده لظروف الحرب الأهلية في سوريا. إنها لطمة الأكاديمية لنظام الأسد من خلال الاعتراف بجهات معارضة في اختيار الفيلم الممثل لسوريا.
الفيلم الذي أخرجه سام القاضي، يعرض حياة الناشط السوري غياث مطر، المعروف بتقديمه الماء والورود لقوات أمن النظام أثناء المظاهرات في مدينته داريا أثناء بدايات الثورة السورية في 2011. بعد ذلك تم اختطفته وعذبته نفس قوات الأمن، ثم قتلته.
من بين المفارقات الساخرة أيضاً، أن الأوسكار أصبح منصة للتنديد بجرائم النظام منذ فبراير/شباط الماضي عندما فاز الفيلم الوثائقي "الخوذ البيضاء" بجائزة أفضل فيلم وثائقي قصير، وهو عن البطولات اليومية لقوات الدفاع المدني العاملة في المدن التي تسيطر عليها المعارضة السورية.
والمفارقة الأخيرة هي أن سوريا تُعتبر فنياً شاركت في الأوسكار عام 1959، وهي أول مشاركة عربية بالأوسكار من خلال فيلم "باب الحديد" للمخرج يوسف شاهين، وقد مثّل الفيلم الجمهورية العربية المتحدة التي ضمت مصر وسوريا معاً خلال الفترة من 1958 وحتى 1961.

مصر: أن تمنع أفضل أفلامك من العرض العام

مصر هي صاحبة أكبر تاريخ عربي في التقدم بأفلامها للأوسكار منذ 1959، برصيد 31 فيلماً حتى 2016 لأن فيلم هذا العام "الشيخ جاكسون" لن يتم الاعتداد به قبل الإعلان الرسمي للأكاديمية عن قائمة الأفلام المقبولة في الأسبوع الثاني من الشهر الحالي.
يقدم فيلم "الشيخ جاكسون" للمخرج عمرو سلامة أزمة شاب سلفي كان يظن أنه دفن للأبد إعجابه بموسيقى مايكل جاكسون في فترة مراهقته، لكن وفاة ملك البوب تشل إيمان هذا السلفي وتضعه في صراع مع أشباح ملك البوب.
ورغم الحفاوة التي قابلها الفيلم في المهرجانات التي عرضته خلال الأسابيع الأخيرة، إلا أنه تلقى انتقادات من النقاد الأجانب بسبب عجز صناع الفيلم عن شراء حقوق استغلال موسيقى جاكسون، واستخدامهم موسيقى شبيهة غير موفقة، هذه المشكلة ستكون كفيلة بمنع الفيلم من الوصول للقائمة القصيرة للجائزة.
وأثناء التصويت في اللجنة التي اختارت الفيلم، لم تظهر أمامه منافسة كبيرة من الأفلام الأخرى المعروضة بالسنة الماضية.
ربما كان على اللجنة أن تبحث بعيداً أكثر، في الأفلام المصرية التي لم تحصل على فرصة بدور العرض، مثل فيلم "آخر أيام المدينة" للمخرج تامر السعيد، وقد ماطلت الرقابة في عرضه تجارياً طوال العام، وكذلك فيلم "أخضر يابس" للمخرج محمد حماد الذي لم يحظ بفرصته في دور العرض رغم فوزه بعدة جوائز دولية، والمفارقة أن منتجه هو محمد حفظي - نفس منتج "الشيخ جاكسون" - كان قد قام بتقديم موعد إطلاق الأخير لأسبوعين في عرض محدود بمدينة صغيرة حتى يستوفي شرط عرضه قبل نهاية الشهر الماضي.

الإمارات: أن تنفق أموالاً كثيرة على أفلام الآخرين

خلال عام 2016 حصدت دور العرض في الإمارات أكثر من 155 مليون دولار في إجمالي إيرادات كل الأفلام المعروضة، وهو رقم أكثر من ثلاثة أضعاف إيرادات دور العرض بباقي الدول العربية مجتمعة بنفس المدة.
الإمارات هي الدولة العربية الوحيدة التي لديها بنية تحتية سينمائية متقدمة وليس لديها مشكلة في التمويل، وعلى الرغم من هذا لم تستطع حتى الآن أن تقدم فيلماً واحداً للمشاركة في الأوسكار.
في مايو/أيار الماضي أعلنت الإمارات أنها ستختار فيلمها الأول للمشاركة في الأوسكار من خلال لجنة تابعة لمهرجان دبي السينمائي الدولي، من المفترض أن يكون الاختيار سهلاً من الأفلام الإمارتية القليلة التي عُرضت خلال العام.
الفيلم الأقرب للترشح كان "الرجال فقط عند الدفن" سبق له الفوز بجائزة أفضل فيلم إماراتي من مهرجان دبي 2016، وهو دراما عائلية تدور أحداثها في العراق عن ابنتين تكتشفان أطناناً من الأسرار أثناء وبعد جنازة والدتهما، وقد تم تصوير الفيلم في إيران بممثلين عراقيين وطاقم فني معظمه إيراني، العنصر الوحيد الإماراتي هو المخرج عبد الله الكعبي، وهو ما يجعله اختياراً محرجاً كأول مشاركة إماراتية بالأوسكار، خاصة الآن بسبب تصاعد التوتر مع إيران.
حتى اللحظة الأخيرة كانت اللجنة تفحص خياراتها الأخرى؛ "في الوقت الضائع" هو فيلم إماراتي من حيث الموضوع، لكن مخرجه ياسر الياسري عراقي الجنسية، قد تخفض اللجنة معاييرها الفنية لتناقش اختيار فيلم الأكشن الضخم "المختارون" للمخرج علي مصطفى، لكن هذا سيلقي الضوء أكثر على تجاهل فيلم الكعبي.
آثرت اللجنة الصمت حتى اللحظة الأخيرة، في إشارة للعجز عن تجاوز العتبة الأسهل، وهي اختيار فيلم يعبر عن صناعة السينما والمجتمع في الإمارات.

تونس والمغرب وفلسطين: أن تلجأ لاختيارات الضرورة الفنية

هذه 3 دول عربية فعلت ما يُفترض أن يكون عادياً: أن تستند اختياراتها لأسباب منطقية في ظل المتاح.
فلسطين اختارت "واجب" للمخرجة آن ماري جاسر، وهو الفيلم الفلسطيني الوحيد الذي حقق وجوداً في المهرجانات الكبيرة، حيث انطلق في مهرجان لوكارنو السينمائي، لكنه لم يتمتع بحماس من الصحافة الأميركية.

التردد التونسي المعتاد أسفر هذا العام عن اختيار أفضل، فقد كان التوجه طوال الشهر الماضي لاختيار فيلم "على كف عفريت" للمخرجة كوثر بن هنية، وهو واحد من فيلمين عربيين طويلين شاركا في مهرجان كان السينمائي 2017.
لكن اتضح أنه لم ينل استقبالاً نقدياً دافئاً، فتم اختيار فيلم أقدم نسبياً هو "آخر واحد فينا" للمخرج علاء الدين سليم، وهو أفضل في مسيرته بالمهرجانات، لكن The Hollywood Reporter اعتبرته "لا يكافئ صبر المشاهد".

المركز السينمائي المغربي اختار فيلم "غزية" للمخرج نبيل عيوش الذي اختير فيلمه "يا خيل الله" لتمثيل المغرب في الأوسكار بعام 2014، ومُنع فيلمه السابق "الزين اللي فيك" من العرض بالمغرب لتناوله موضوع عاملات الجنس هناك.
الصحافة المغربية شككت في إجراءات اختيار "غزية" لكونه لم يُروج له تجارياً في المغرب، لكنه على كل حال لا يتمتع الفيلم بمسيرة سينمائية قوية، فقد عُرض لتوه في مهرجان تورنتو السينمائي، وتلقى تقييمات متوسطة إلى فاترة من النقاد الغربيين.

Wednesday, April 25, 2018

سيناريو الضواحي


أسعار التذاكر والعقارات كانت هي محرك فورة الإنتاج السينمائي، كيف يبدو هذا في المستقبل؟ *

يحب النقاد تخيل فيلم "إسماعيلية رايح جاي" على أنه النقطة الفارقة في صناعة السينما المصرية، ليفصل هذا الفيلم محدود الإنتاج ما بين حقبة بطيئة وباردة دامت معظم الثمانينات والتسعينات، وبين الفترة التالية التي تشهد تسخين مطرد لعدد الأفلام والشاشات والجمهور. لمناقشة هذا النظرية، مع اتفاق النقاد على تدني مستوى "إسماعيلية"، سنتخيل الموضوع بشكل آخر: ماذا لو يكن هناك "إسماعيلية" من الأصل؟ تخيل حتى أن هنيدي لم يظهر وقتها؟ هل كانت لحظة السوبرنوفا السينمائية ستنتظر بطلاً آخراً؟ أحمد مكي مثلاً؟

الحقيقة أن الموضوع لم يكن له أدنى علاقة بالمسائل الفنية، انظر إلى الظروف وقتها: في 1997، سنة عرض "إسماعيلية"، كانت البلد في منتصف أزمة عقارية نبعت من عدم قدرة الحكومة على دفع مستحقات شركات المقاولات، وبسيناريو يحمل نصف الهلع، انخفضت أسعار العقارات في موجة مركزها الساحل الشمالي وضواحي القاهرة، في الأحياء الجديدة التي لا تزال مرتبطة بنشاط شركات المقاولات.

ليس من قبيل المصادفة أن يكون أول المندفعين للاستثمار السينمائي هي مجموعة تعتمد في الأساس على المقاولات العقارية، لكن ما هو دخل سعر التذكرة في كل هذا؟ مشاريع دور العرض الجديدة كانت مرتبطة ببناء المولات التجارية، ورغم أن سعر التذكرة وقتها كان متوسطه 7 جنيهات، وبسقف لا يتعدى أبدا 12 جنيه، فإن افتتاح سينما طيبة مول كان بسعر تذكرة بلغت 20 جنيها، بفيلم "Titanic" الذي صاحبته حملة إعلامية منحته أعلى إيرادات أمريكية في مصر لسنوات عديدة بعدها.

ورغم أن سعر أعلى يعني إقبال أقل، فإن هذا لم يحدث، الزحام وقوائم الانتظار التي دامت أكثر من 10 أيام أمام سينما طيبة دلت المستثمرين على أن الجمهور تقبل اللعبة، وهو ما يعني افتتاح المزيد من دور العرض، بمتوسط 20 جنيه لسعر التذكرة، وهو ما جعل دور العرض هي الرابح الأكبر في الطفرة القادمة للصناعة كلها.

بعد مرور فترة الحضانة، يكون أمام المستثمر خياران: إما أن يقوم بتطوير السوق، أو يختار الحل الأسهل برفع السعر. في حالة دور العرض، كانت الفورة قد انتهت بانتهاء الانهيار العقاري، ومال مستثمرو السينما للدخول في الإنتاج المباشر بدورته الأسرع، كما أن الأزمة العقارية انعكست، وأصبحت الضواحي هي التي تقود ارتفاعا جنونيا في أسعار العقارات، وبرد الحماس لإنشاء دور عرض جديدة.

مجمع سينمات سيتي ستارز (بشاشاته الذهبية والخاصة) قاد موجة غلاء التذاكر، السعر الآن 30 جنيه، وعلى مسافة أقل من كيلومتر واحد، سينما طيبة لا زالت تحافظ على بقايا جمهورها بنصف هذا السعر تقريبا، الفارق بين السعرين لا يعتمد على جودة العرض بقدر ما هو يعتمد على القيمة العقارية. التسعير الجديد قادم لا محالة في ظل معدلات تضخم مرتفعة.. هذه المرة، إلى ماذا سيؤدي ارتفاع السعر؟

من المستبعد أن نرى شاشات أخرى داخل حدود محافظة القاهرة الجديدة**، لا يوجد موطئ لقدم من الأصل، سهم انتشار دور العرض سيكون رأسه خارج العاصمة، والضواحي الصحراوية ستقود شباك الإيرادات، بأسعار تذاكر مماثلة تقريبا للمتوسط داخل القاهرة، لكنها لن ترفع الأسعار حتى يظهر مصير مشروع " مدينتي " الذي يتم الترويج له كبديل نموذجي للمدن المصرية القديمة. نتيجة لهذا سيزيد الاستقطاب في علاقة سعر التذكرة بنوع الفيلم المعروض؛ لن ترى فيلما أمريكيا بأقل من 15 جنيه بعد الآن، وسيسيطر ذوق الضواحي العائلي والمحافظ على مسار الإنتاج العام، المنتجون الذين لا تظهر عليهم علامات المرونة سيسعدهم هذا الوضع كثيرا. كما ترى، يعتمد هذا السيناريو على ثبات الأحوال المالية للبلد ككل، لكن هناك سيناريو آخر يتوقعه الكثيرون، سيناريو 1997 آخر، يبدأ بأزمة عقارية تؤدي إلى موجة "إسماعيلية" أخرى.

* كُتب هذا التحليل في أغسطس 2008 
** المقصود محافظة القاهرة حسب الحدود التي عُينت وقتها بحيث أصبحت أحياء المعادي، حلوان والتجمعات تابعة لمحافظة حلون

Saturday, December 30, 2017

في عام الأرقام القياسية.. كيف فشلت السينما المصرية في العودة إلى 2007؟

290 مليون جنيه هي إيرادات متوقعة للأفلام المصرية في 2017، وفي الأيام الأخيرة من العام تنشط احتفالات الأرقام القياسية، لكن مقارنة بسيطة بالأحوال منذ 10 سنوات قد تدفع للقلق.

لماذا العودة إلى 2007؟
ليس لأنها منذ 10 سنوات، كلنا نحب هذه الأرقام المغلقة، ولكن لأنها آخر سنوات الانتعاش السينمائي في الألفية قبل الركود الطويل الذي بدء في 2008 مع وصول الموجات السلبية من الأزمة المالية العالمية، تمثل 2007 سنة الأساس إذا أردنا حساب مدى التغير في اقتصاديات السينما وما إذا كان إيجابياً أم سلبياً.
من جانب آخر، هناك مصادفة تسهل هذه المقارنة، وهي أن عدد الأفلام المصرية المعروضة تجارياً كان 47 فيلماً في العامين.. كيف إذاً تغير الحال خلال 10 سنوات؟

رقم قياسي محبِط
إجمالي إيرادات الأفلام المصرية في 2007 كان 250 مليون جنيه تقريباً، وقد كان رقماً غير مسبوق في وقته، لكنه في 2017 لن يتجاوز 290 مليون جنيه، وهو رقم قياسي جديد، لكنه يعني أيضاً أن صناعة السينما المصرية استغرقت 10 سنوات كاملة لكي تزيد إيرداتها بنسبة 16% فقط.
وهذه ليست هي الأخبار السيئة، ففي 2007 كان متوسط سعر تذاكر السينما قرب العشرين جنيه، بينما في 2017 المتوسط هو 55 جنيه تقريباً، لقد زادت أسعار التذاكر بأكثر من الضعف، لكن الإيرادات الإجمالية لم تنمو بنفس النسبة، وهذا يعني أن عدد التذاكر المباعة قد انخفض بشكل كبير.
ربما لا يهتم المنتجون بعدد التذاكر طالما ارتفع مبلغ المبيعات نفسه، لكن موجات التضخم تجبرنا على تقييم الإيردات بالدولار.
في 2007 كان متوسط سعر الدولار يبلغ 6.5 جنيه، هذا يعني أن إجمالي إيرادات السينما المصرية كان 38.5 مليون دولار تقريباً، بينما وصل متوسط سعر الدولار في 2017 إلى 17.6 جنيه، وهذا يجعل إجمالي الإيردات لا يزيد عن 16.5 مليون دولار في أفضل تقدير.
هذا هو أسوأ نبأ: لقد خسرت السينما المصرية أكثر من نصف إيرداتها خلال 10 سنوات، كيف إذاً نجحت هوليوود الشرق العجوز في الطفو خلال العام الماضي؟

1- الانغماس في إنتاجات أضخم
أحد أهم مؤشرات 2017 هو أن أكثر من نصف إجمالي الإيردات احتكرته الأربعة أفلام الأولى (مقارنة بسبعة أفلام في 2007)، حتى الآن لم تُحسم قمة شباك الإيردات بشكل نهائي، وإن كان فيلم "الخلية" هو الأكثر ترجيحاً مع استمراره في دور العرض حتى العام المقبل، ليتجاوز إيرادات فيلم "هبوط اضطراري" الذي توقف عند 3.1 مليون دولار تقريباً.
الفيلمان من نوع الأكشن، وهو تغير عنيف في القمة التي كانت تحتكرها الأفلام الكوميدية منذ بداية الألفية.
تكلف إنتاج هبوط اضطراري 2.7 دولار، تقريباً نفس تكلفة إنتاج "الخلية"، لكن في الثاني تم توجيه قسم أقل من الميزانية لأجور النجوم، مع إنفاق أكبر على الجوانب الفنية والتقنية.
هذا يقلص هوامش الأرباح، لكن هناك مصادر أخرى.

2- الاعتماد أكثر على الخليج
في دولة الإمارات وحدها جمعت الأفلام المصرية أكثر من 4 ملايين دولار، لا توجد بيانات مسجلة من باقي الدول العربية لكن من المتوقع أن يتضاعف الرقم، لن يحصل المنتجون المصريون على نفس النسبة التي يحصلون عليها من شباك التذاكر المصرية، لكن ارتفاع سعر الدولار يجعل هذه الأرباح الإضافية بمثابة حقنة منشطة كافية للوصول إلى نقطة تعادل، ثم تُضاف أيضاً إيردات بيع حقوق العرض التليفزيوني وعلى الإنترنت.
في الإمارات كان "تصبح على خير" للمطرب تامر حسني هو الأعلى بين الأفلام المصرية (1.3 مليون دولار تقريباً)، الفيلم التالي هو "عنتر ابن ابن ابن شداد" لمحمد هنيدي، إيرداته التي بلغت 700 ألف دولار بالإمارات، تفوقت على إيرداته بمصر التي لم تزد عن 417 ألف.
ارتفعت أهمية سوق الخليج، وستزداد أكثر مع افتتاح دور العرض في السعودية خلال العام المقبل، ومن المتوقع أن تنعكس هذه الأهمية في تأثير مباشر على توجهات ونوعيات الإنتاج مستقبلياً، وستتواجد السعودية من خلال اتفاقات إنتاجية أو الاستحواذ المباشر على شركات إنتاج، كما سبقهم الإمارتيون المتواجدون حالياً كمستثمرون في الإنتاج ودور العرض.

3- الاحتفاظ بفرحة العيد
في السنوات الماضية تأثرت إيرادات السينما بتقاطع شهر رمضان مع موسم الصيف، لكن بداية من 2017 أصبح من الممكن الاستفادة بموسم الصيف كاملاً بداية من الأسبوع الأخير في يونيو (حزيران)، بل اندمج الصيف مع عيدي الفطر والأضحى في موسم ضخم مستمر حتى منتصف سبتمبر (أيلول) مع العودة للدراسة.
لكن فرحة العيد طغت على باقي الصيف، أسبوعا العيدان وحدهما جذبا 5 ملايين دولار تقريباً، أو نسبة 30% من إجمالي إيرادات العام كله.
في العام السابق 2016، بدأت إيرادات عيد الأضحى في التفوق على إيرادات عيد الفطر بشكل طفيف (100 ألف دولار تقريباً)، وهو ما لم يكن معتاداً في السابق عندما كان عيد الفطر يجذب إيرادات أكثر، ثم في 2017 اتسع الفارق إلى 200 ألف، وسجل عيد الأضحى إيرادات بلغت 2.6 مليون دولار.

4- التخلي عن النجم الأوحد
بشكل عام لم تعد أفلام القمة معتمدة على النجم الأوحد، فهناك ميل واضح ومتزايد للبطولات الجماعية والإبهار الإنتاجي، من بين الأفلام الأعلى في الإيرادات، هناك 5 أفلام تعتمد بشكل أساسي على بطل مطلق، نجم ذكر من النوع التقليدي، كان أنجحهم هو أحمد عز (الخلية)، ثم تامر حسني (تصبح على خير)، عمرو سعد (مولانا).. ومحمد رمضان بفيلمين (جواب اعتقال وآخر ديك في مصر).
لقد كان عاماً مؤلماً لنجم الأكشن الشعبي الذي يحاول استعادة نجاحه القديم، فإيرادات الفيلمين سوياً لا تسمح لرمضان بالتفوق على حسني أو التعادل معه، وحتى إذا أضفنا فيلمه الثالث "الكنز"، وهو بطولة جماعية بإنتاج ضخم، فإنه سيظل بعيداً عن عز.
مع هذا، يخطط رمضان للتواجد في 2018 بفيلمين على الأقل.

5- التسامح مع أفلام المهرجانات
إذا كان فيلمك يتمتع بطبيعة فنية تختلف بشكل ما عن قواعد السوق التقليدي، فإنه من الأفضل أن يكون عرضه الأول بأحد المهرجانات الدولية خارج بلده، وهذا يعني مزيد من التحرر من قواعد السوق، ومن هنا تأتي تسمية أفلام المهرجانات.
تقليدياً، تعرضت هذه النوعية للتجاهل والتضييق بوصفها "غير جماهيرية"، لم تتغير هذه المعاملة كثيراً، لكن أفلام المهرجانات توصلت إلى معادلة أفضل مع الجمهور، وبالتالي حجزت لنفسها مكاناً لا بأس به في السوق.
8 أفلام من هذه النوعية نالت فرصتها في العرض، في معظم الأوقات كانت الفرصة عادلة، ومعاً جمعت إيرادات بلغت 1.7 مليون دولار، كانت المساهمة الأكبر بينهم لأفلام "مولانا"، "الأصليين" و"شيخ جاكسون" على الترتيب.
وبدون ذكر الإيرادات، تجب الإشارة إلى فيلم "أخضر يابس"، وهو الإخراج الأول لمحمد حماد الذي نال عنه جائزة أفضل مخرج في مهرجان دبي السينمائي الدولي 2016، بميزانية ذاتية بالغة التقشف، وكذلك الوثائقي الموسيقي Les Petits Chats للمخرج شريف نخلة، وهو الوثائقي الوحيد الذي نال عرضاً تجارياً بأكثر من شاشة في نفس الوقت خلال 2017.

6- المزيد من دور العرض للأفلام الأميركية
في 2007 وصل إجمالي شاشات العرض التجارية في مصر إلى 400 شاشة تقريباً، ومع تبخر التمويل الخليجي المتأثر بالأزمة المالية العالمية، انخفض عدد الأفلام المنتجة، وكذلك تعطلت خطط إنشاء شاشات جديدة، ثم دخلت السينما في متوالية تدهور ذاتي، يقل عدد الشاشات فيقل الإنتاج، ويقل الإنتاج فتقل الشاشات.. وهكذا.
المزيد من التدهور جاء بعد الثورة المصرية في 2011 وما تلاها من عدم استقرار سياسي، وبسبب تحفظ المنتجين والموزعين التقليديين بشكل أساسي، ثم بداية من 2015 عادت العجلة للدوران باستعادة بعض دور العرض المعطلة والمفقودة، وسمح هذا بعودة مستويات الإنتاج للسابق.
لكن الآن لدينا 500 شاشة تقريباً، 25% أكثر من 2007، ورغم زيادة أسعار التذاكر انخفض إجمالي إيرادات الأفلام المصرية، بينما لا تبدو أية معاناة لدى مشغلي دور العرض، هذا لأن هناك باب إيرادات آخر من الأفلام الأجنبية التي وصلت حصتها بإيرادات 2016 إلى نسبة 45%.
ومع هذا تظل الأفلام الأجنبية مفيدة لصناعة السينما المصرية، 47 فيلماً في العام لا تكفي لشغل 500 شاشة طوال العام بحيث تحافظ دور العرض على كفاءتها، فالمزيد من الشاشات العاملة يعني إشارات مشجعة للمنتجين والممولين في خططهم للعام المقبل.

Saturday, December 9, 2017

رحلة محمد رمضان من أيقونة شعبية إلى نجم على مسرح الأجهزة الأمنية

في 2014، بالليلة الأخيرة من شهر رمضان، امتنع عن العمل سائقو الميكروباصات بالموقف الرئيس في مدينة 6 أكتوبر المصرية لنحو ساعة، توقفت خلالها تماماً المواصلات بين المدينة والقاهرة وبقية المحافظات، كذلك معظم المواصلات الأهلية الداخلية بها مثل التكاتك والميكروباصات الخفيفة، بينما ازدحمت المقاهي الشعبية الرخيصة بهؤلاء بجوار مهمشي المدينة.
ما الذي حدث في تلك الليلة؟ لقد كانت الحلقة الأخيرة من مسلسل "ابن حلال"، الحلقة التي تشهد المصير الملحمي المحتوم لحبيشة؛ الفتي الصعيدي المجدع الذي يأتي للقاهرة طلباً للعيش، لكن حياته بها تتحول إلى سلسلة طويلة من التورط بجرائم لم يرتكبها غالباً، وفي الحلقة الأخيرة ينتقم حبيشة ممن ظلموه، ثم تقتله الشرطة بعد أن خاضت معركة للتخلص من أتباعه المخلصين.



عندما توقفت الأرض من أجل حبيشة
كانت هذه هي القمة التي يندر أن يقترب منها أحد، وصل لها الممثل الشاب محمد رمضان بعد مسيرة خاطفة بمعايير السينما المصرية، أصبح أيقونة شعبية تمثل إحباط الأغلبية المهمشة، عبر سلسلة من الأدوار انتهت كلها بموت ملحمي لتطهير البطل الذي لوثته الدنيا، وليس قبل أن يحقق انتقامه الأخير من الخونة والظلمة.
كل ما كان على رمضان هو أن يحفظ النغمة النادرة ليستمر، مع تجديدات بسيطة لكسر ملل الجمهور، لكنه عوضاً عن هذا خاض بإصرار رحلة عكسية لخسارة كل مكاسبه.

بملامح جندي في حرب أكتوبر
المخرج: أنت لما تصحى الصبح تبص لخلقتك دي في المراية.. تتخيل ممكن تمثل بيها إيه؟
الفتى الشعبي: حبيب.. فلاح.. صعيدي.. جزار.. 6 أكتوبر.. جندي يعني
كان هذا الحوار ضمن فيلم "المدينة"، حيث يتقدم فتى ذو ملامح عادية (أو لنقل غليظة) لأداء دور بفيلم سينمائي، ومن خلال السؤال يحاول المخرج (زكي فطين) بخضونة أن يقنع الفتى (باسم سمرة) بأنه لا يلبي معايير الوسامة السينمائية.

قدم المخرج يسري نصر الله هذا الفيلم ببطولة سمرة بالكامل في تحدي لمعايير الوسامة البرجوازية المصرية، في انتصار لأحقية الملامح الشعبية والعادية، نفس المخرج هو من أعطى محمد رمضان دوره الأول الكبير بفيلم "احكي يا شهرزاد" (2009)، كعامل في متجر لأدوات البناء، وفقط بجاذبيته الجنسية يقيم علاقة مع 3 شقيقات يمتلكن المحل، إنه نذل تقليدي كما أظهره الفيلم، لكنه لاعب حريف بالمعايير الشعبية، وانتهاء دوره بالموت حرقاً على يد إحدى الشقيقات هو عامل كافي لتطهيره أمام الجمهور.
ربما لم ينتبه رمضان وقتها لهذا، وقليلون من جمهور رمضان شاهدوا هذا الدور، وأقل منهم من انتبه لأدواره الأخرى في تلك المرحلة، حيث قام ببطولة فيلم "الخروج" (2011) الذي مُنع من العرض بمصر لتقديمه قصة حب بين شاب مسلم وفتاة قبطية، كما شارك بدور مساند في فيلم "الشوق" في نفس العام. على عكس رمضان الذي نعرفه، كان يحاول من خلال الدورين أن يشارك بأفلام ذات طبيعة فنية، أفلام مهرجانات.

ثم بدأت المهرجانات الشعبية
المنتج أحمد السبكي هو من تنبه لإمكانات رمضان، السبكي معروف بأفلامه ذات الخلطة الشعبية الحريفة، قصة بسيطة لا تقتضي المنطق، تتخلها إفيهات جنسية وصفعات ومعارك ورقصات وأغنيات شعبية.
"ساعة ونص" كان مرحلة انتقالية لرمضان على حدود عالم السبكي، وهو فيلم بطولة جماعية عن إحدى كوارث حوادث القطارات المأساوية، وفيه قدم رمضان دور عامل قروي فقير على متن القطار مع صديقه المريض، يرعى العامل صديقه بمجدعة ونكتشف في النهاية أن صديقه مسيحي في رواية أخرى للوحدة الوطنية.
بمهارة السبكي في اكتشاف المواهب التي تناسب الدماغ الشعبي، دخل رمضان في خلاط السبكي الذي منحه شهرته الشعبية الآن، في 2012 قام ببطولة فيلمي "عبده موته" و"الألماني" اللذان قدما نفس القصة تقريباً لصعود فتى من حارة مهمشة ليصل بذراعه وذكائه إلى القمة ثم ينتهي بالطريقة الملحمية المعتادة.
شروط ملحمة البطل الشعبي:
-        يتعرض للظلم كمبرر للغضب
-        يتعرض للخيانة كمبرر للسقوط
-        يتعرض للحب كمبرر للمقاومة
-        يتعرض للموت كشرط للتطهير
ونصيحة أخيرة: البطل الشعبي يجب أن يبدو ناجحاً، لنصف الملحمة على الأقل، وهو ممثل للمعايير الأخلاقية السائدة في وقته، وليس ما يجب أن يكون.
معاً حقق الفيلمان إيرادات أسطورية بأسعار وقتها قاربت الأربعة ملايين دولار، لم يسبق أن تحقق هذا لنفس المنتج والبطل سويا بنفس العام، وكان الرقم مرشحاً للتضاعف لولا فشل "الألماني" الذي عُرض خارج موسم العيد.

رمضان في البورشه كايمن
الخوف من زوال النعمة هو جزء حاكم في تكوين المصريين، في الحواري الشعبية الحسد هو قوة قاهرة مستقرة لا يمكن الفكاك منها إلا بإخفاء النعمة وتلفيق روايات للاختباء ورائها، هذه القناعة الراسخة توازيها قناعة أخرى عكسية بأن تحقق الصعود الطبقي يجب إثباته للمجتمع بالمبالغة في إظهار النعمة.
البعض يرى أن صفحة رمضان الرسمية على فيسبوك تتسبب في استفزاز جمهوره، العكس هو ما أدركه رمضان، أن التباهي بالملابس الأصلية وسياراته الفارهة على غرار نجوم الهيب هوب الأميركيين، لن يثير غضب جمهوره، فالجمهور في الحارة يتعامل مع الأمر أن هذا واحد منا قد أفلت من الفقر، لا ضغينة في هذا، إنها غبطة لا حسد؛ الله يسعده ويكرمنا.

أحمد زكي أم عادل إمام؟
خلال دورانه في خلاط السبكي، قدم دوراً في الفيلم الكوميدي "حصل خير". كوميديا رمضان دائماً كاريكاتورية تمتلئ بالمبالغة، ولهذا لم يكن نجاحه بها مبهراً أبداً. في هذا الفيلم قدم دور مدرس لغة عربية يعاني من عدم التوافق الجنسي مع زوجته الأقل منه بالمستوى الثقافي، وقد اقتبس في الدور جزء من أداء الراحل أحمد زكي في شخصية السادات والموظف الحكومي البائس في "4 في مهمة رسمية"، ثم عاد واستخدم أداء زكي من فيلم "الهروب" عندما قدم شخصية حبيشة في "ابن حلال"، بل أنه قدم دور زكي نفسه في مسلسل "السندريلا" الذي تناول قصة حياة النجمة سعاد حسني.
وفي المقابل، لم يقتبس رمضان أداء عادل إمام، بل أمسك بأنجح لحظات تاريخه. نستالجيا التسعينات تجعلنا نظن أن نجاح عادل إمام الأكبر كان في التسعينات، لكن الحقيقة أن اللحظة المبهرة في مسيرته كانت من خلال فيلم "حتى لا يطير الدخان" (1984) الذي قدم فيه شخصية شاب مطحون طبقياً يقرر الصعود بأي شكل والانتقام ممن سحقوه في البداية، أقسى لحظات انتقامه كانت عندما يوقع بالفتاة الراقية التي رفضته لفقره ثم يهينها بمشهد أسطوري حطم أعصاب الجمهور المتعطش للانتقام هو الآخر من الأغنياء.
هذا المشهد، صنع منه رمضان نصف مسلسل "الأسطورة" في 2016 بعد نجاح حبيشة، النصف الأول من المسلسل كان لشخصية رفاعي الدسوقي تاجر السلاح الذي أدت حلقة مقتله إلى سرادق عزاء ضخم على موقع فيسبوك في مصر، ثم يرث شقيقه الضعيف امبراطوريته الإجرامية، ومقتبساً أجزاء من شخصية رفاعي، ومع بعض الذكاء الاجتماعي، يتسلل لعائلة الفتاة التي رفضته سابقاً بسبب أصوله الشعبية، وينتقم منها بطريقة الزعيم، وكانت هذه هي آخر محطات نجاح رمضان.

عامان في أحضان السلطة
حتى صيف 2016، ظل رمضان ممثلاً براجماتياً يسعى لفهم الروح الشعبية واستغلالها في المزيد من الصعود، ومن ناحية برجوازية ظلت النظرة له متعالية، وقد بادلهم رمضان الاحتقار والمزيد من اللعب بالتيمات الشعبية. قبل حتى أن يصبح بطل أول، كان رمضان يتعمد الإقلال من الظهور الإعلامي، مفضلاً التواصل المباشر عبر صفحة فيسبوك التي تحمل أكثر من 5 ملايين مشترك.
ويحدث أن النجاح الضخم يلفت أيضاً انتباه السلطة الجديدة في مصر، وهي سلطة لا يرضيها تمرد شخصية حبيشة، لن ترعى أمثال عبده موته لأنها سلطة تدعي رعايتها للأخلاق، لكنها أيضاَ سلطة براجماتية تسعى للاستفادة من الناجحين وتطويعهم في تقديم رسائل تخدمها.
ربما تواكب هذا مع إدراك رمضان لقرب نهاية ملحمته الشعبية الذاتية. في 2013 حقق ثالث أدواره الشعبية "قلب الأسد" 2.4 مليون دولار، تقريباً ثلثي إيرادات "عبده موته" وبفاصل زمني سنة واحدة غفط، كما جلب له موجة انتقادات لأنه يمجد شخصيات البلطجية، ورد رمضان بتقديم دور ضابط شرطة منتقم في "شد أجزاء" ليحقق 2.8 مليون دولار، وهو أيضاً أقل من "عبد موته".
لا يعرف أحد كيف تتم هذه التوافقات، الوسط الفني في مصر هش للغاية ويمكن أن تتبخر النعمة بسهولة إذا غضبت السلطة على أحدهم، ربما تكون البداية بإعلان رمضان عن توجهه لتأدية خدمة التجنيد الإجباري.
في 2016 كان رمضان قد أنهى لتوه بنجاح مسلسل "الأسطورة" على شبكة MBC مسجلاً أعلى أجر لنجم تليفزيوني بلغ 45 مليون دولار، إضافة لعقد مع الشبكة بمسلسلات على ثلاثة مواسم تالية، مع استمراره في تقديم مسرحية "أهلاً رمضان" بالليلة التالية لنهاية المسلسل على نفس مسرح الهرم الذي صنع فيه عادل إمام "زعامته"، وفيلم جديد مع السبكي بانتظار العرض في عيد الأضحى هو "جواب اعتقال".
قبل شهر من عرض الفيلم، ظهرت احتكاكات مفاجأة مع الرقابة، وخرج الفيلم من سباق العيد، فقام رمضان بتصوير فيلمه الكوميدي "آخر ديك في مصر" خلال 20 يوم فقط، ثم تأجل هذا الفيلم أيضاً لبداية 2017.
يسهل رصد التغير في مسيرة رمضان بعد بدئه في خدمة التجنيد لمدة عامين، في المعتاد لا تتنازل وزارة الدفاع عن حقها في تجنيد أي شاب مصري تنطبق عليه الشروط، بل في الحقيقة ترحب بأدائهم الخدمة مثلما حدث مع تامر حسني الذي أدى العقوبة بعد اكتشاف محاولة تهربه ليظهر بعدها في أحد أوبريتات أكتوبر تحت رعاية المؤسسة العسكرية.

رمضان من مواليد 1988 وتأجل تجنيده لكونه طالباً في معهد الفنون المسرحية، لكن تركه للمعهد أجبره على التوجه للتجنيد، وهو ما أطال فترة تجنيده إلى عامين بسبب عدم حصوله على مؤهل عال، وبدأت هذه المرحلة بصورة نشرها على صفحته أثناء تقدمه للتجنيد، إذن أصبحت إدارة التجنيد تسمح للمتقدمين بالتصوير داخلها ونشر الصور على فيسبوك ليلتقطها الإعلام.
في الفترة التالية لتجنيده قدم فيلماً عن سلاح الصاعقة كان هو الضيف الرئيسي به وأذيع في 30 يونيو 2017، وزاد ظهوره بالإعلام بشكل ملحوظ، أصبح مهتماً فجأة بالتعليق على الشؤون السياسية الجارية، وفي دعم المؤسسة العسكرية.



وبالتوازي مع كل هذا، سُمح للجندي المجند محمد رمضان بالاستمرار في تقديم مسرحيته "أهلاًرمضان" في عرض أسبوعي كل يوم جمعة.

في صندوق رمضان أيضاً رقم قياسي من الأفلام المرضي عنها أمنياً:
-        قبل بدء تجنيده كان قد اتفق مع شركة "مصر للسينما" على تقديم فيلم من تأليف السيناريست محمدسليمان الذي تعاون معه سابقاً بدور رجل الشرطة في "شد أجزاء"، الاتفاق كان تدشين لتغيير في هيكل ملكية الشركة بعد استحواذ شركة إعلام المصريين التي يرأس مجلس إدارتها أحمد أبو هشيمة المعروف بولائه الكامل للسلطة.
-        ثم أعلن عن فيلم آخر لنفس الشركة من إخراج داود عبد السيد سيحمل اسم "حب"، لكنه لم يتخذ أي خطوات فعلية به حتى الآن.
-        كما بدأ فعلياً في تصوير دور رجل عسكري بفيلم "سري للغاية" لنفس الشركة، من تأليف وحيد حامد، وهو فيلم عن كواليس فترة حكم الإخوان وصراعات الإطاحة بهم من السلطة. أحد متابعي صفحة رمضان على فيسبوك علق على هذا بأن "رمضان دخل التاريخ"، فالنجم الأكثر شعبية سيتعاون مع أهم مؤلفي الأفلام في مصر، وأكثرهم دعماً للسلطة في صراعها التاريخي مع الإسلاميين.
-        رغم اتفاقه مع مجموعة MBC لبطولة 3 مسلسلات خلال 3 مواسم رمضانية، وتجاوب المجموعة مع التأجيل في موسم 2017 بسبب التجنيد، فقد أعلن أنه سيقدم مسلسلاً في 2018 يظهر به بشخصية ضابط جيش في شمال سيناء التي تشهد اشتباكات مستمرة مع جماعات مسلحة منذ 2013، والمسلسل من إنتاج شركة العدل جروب التي أنتجت معظم المسلسلات المعروضة في رمضان الماضي على شبكة DMC التابعة لأجهزة أمنية.
     خمن ماذا فعلت مجموعة MBC الضخمة بهذا الشأن؟ بخلاف تهديد واهن بمقاضاته، لم تفعل شيئاَ ضده حتى الآن، وهو ما يشير إلى توافقات أعلى من المسؤوليات القانونية بتعاقدتهما.
في خضم كل هذه الأعمال العسكرية، وعندما قورن دوره بالفنان إسماعيل يس الذي قدم سلسلة أفلام داعمة للمؤسسة العسكرية في الخمسينات، كانت تصريحاته هجومية بلا مبرر "إسماعيل يس أكثر نجم يضحكنى فى العالم، لكنى لا أحب أن نصدر صورة الجندى المصرى وهو يقع منه القايش، ويركب فوق مروحة الطائرة بالعكس، فهذا منظر غير لائق"، مما جلب له انتقادات أسرة الفنان الراحل، فاضطر للاعتذار بسرعة.
وبالتوازي مع أعماله الوطنية، أنجز بسرعة فيلم "الديزل" الذي يحمل بعض ملامحه الشعبية القديمة، بإنتاج السبكي، وقصة عن انتقام فتى فقير من شلة أغنياء تسببوا في مقتل حبيبته بوحشية.
ربما يفكر رمضان أن يضع "الديزل" في موسم عطلة منتصف العام خلال بداية 2018، بحيث يستعيد بعض سيطه القديم كبطل شعبي، ثم يطرح نفسه كبطل وطني في مسلسل "زين" خلال رمضان، وهنا تكون الشعبية أمراً يمكن التحكم به وإجباره على الانتفاخ، تمهيداً للمعركة الحقيقية في عيد الأضحى بمنتصف يونيو، وسيتواكب هذا مع أوركسترا إعلامية ستتصاعد تدريجيا مع إجراءات الانتخابات الرئاسية في أبريل ومايو.
يتصرف رمضان كما لو كان الجمهور هو أمر مفروغ منه، لكن الجمهور وجه له عدة تحذيرات طوال 2017.
انتقام جمهور عبده موته
رمضان يعبر عن حبه للمؤسسات الأمنية خلال فترة تجنيده، هذا شأنه، لكن ماذا عن رد فعل جمهوره على هذه الفترة؟
-        فيلمه الكوميدي "آخر ديك في مصر": حقق المركز الثاني في موسم عطلة منتصف العام الدراسي بإيرادات 490 ألف دولار.
-        فيلمه التالي "جواب اعتقال": كان مؤجلاً من عيد الأضحى 2016، وفيه قدم شخصية إرهابي ينقلب على جماعته، غير معروف إذا ما كان الفيلم قد تعرض لتعديل خلال هذه الفترة ليناسب وجهة نظر السلطة في الحرب ضد الإرهاب، لكن الفيلم تحول إلى إهانة لنجم بحجم في رمضان.
ففي أسبوع العيد الذي يجتاحه عادة جمهور عبده موته، لم يجمع الفيلم سوى 430 ألف دولار، ثم انتهت إيرادته عند 922 ألف دولار رغم دعم وإصرار منتجه السبكي، وهو أقل من ثلث إيرادات فيلم أحمد السقا "هروب اضطراري" بالمرتبة الأولى، وبفارق كبير عن فيلم تامر حسني "تصبح على خير" الذي جاء في المرتبة الثانية بحوالي 1.5 مليون دولار.
وكانت هذه هي المرة الأولى التي يهبط فيها رمضان للمركز الثالث بأحد مواسم الأعياد.
-        فيلم "الكنز": عُرض في موسم عيد الأضحى، وهو فيلم تاريخي من جزئين بتكلفة باهظة قاربت الأربعة ملايين دولار، ويقوم فيه رمضان ببطولة واحدة من 3 قصص يتكون منها الفيلم، بشخصية علي الزيبق المعروف بمشاغبته للسلطة في التراث الشعبي المصري، ورغم أن الفيلم يزدحم بنجوم آخرين، مع الترويج له بأنه بطولة مطلقة لرمضان، فقد تجاوزت إيراداته حاجز المليون دولار بصعوبة، وأصبح إطلاق الجزء الثاني من الفيلم مهمة مؤلمة لجميع المشاركين فيه.
ومرة أخرى يخسر رمضان جمهوره المفضل في العيد.