Pages

دليفري للبهوات

Monday, June 2, 2014

اللحظات الأخيرة للسفينة «نورماندي – تو»



بدعوة من المعلم حنفي شيخ «الصياديون» في السويس، أقيم مؤتمر شعبي حاشد واحتفالية لتدشين السفينة "نورماندي تو"، وهو ما يتزامن مع نقل ملكيتها إلى اثنين من المستثمرين الجدد.
هكذا قد يبدو الخبر "الآمن" الذي يبعث به مراسل صحفي محلي في 1957، لكن المشاهدة السينمائية توفر لنا فكرة تفصيلية أفضل عن هذا الحدث الكلاسيكي: مدام حنفي (أم حميدة) تستقر في حلق المسرح، تقدم نفسها قبل المعلم وتسلم قيادة الباخرة نورماندي إلى أصحابها الجدد، مع مداخلة ضرورية من المعلم حنفي شخصيا لتوضيح أنها "نورماندي- تو" لزوم الدقة التاريخية (حيث أن "نورماندي- ون" قد غرقت منذ زمن)، تعيش أم حميدة سيدة البحار، ثم يعيش البحر الأحمر المتوسط، والآن أيها الإخوان، المجتمعين في هذا الصيوان، من سالف العصر والأوان، يستلم حسن أفندي القبطان وابن حميدو أفندي القرصان المفتاح الذهبي للباخرة العظيمة؛ "نورماندي- تو".
تو.. تو..تو..تو....
ينغمس الجميع في الرقص على النغمة الارتجالية، ويجتهد المعلم حنفي في تحريك كرشه العظيم مستخدما أروع آليات التوافق العضلي العصبي (بتكنيك يظل سريا حتى تكتشفه راقصة أوكرانية بعدها بأكثر من نصف قرن)، دافعا الجميع، نحن والمجتمعين في الصيوان، لتجاهل حقيقة أنه هو الشرير الحقيقي في هذه الحكاية، وليس الباز أفندي وعصابته، أو حتى زوجته الطاغية.
تعرفوا على الريس حنفي: شيخ صيادين لم نره يمارس الصيد أبدا، وبينما يحتفظ بملابسه التقليدية، يمارس السمسرة والنصب على الشباب الناهض، ويستثمر ابنتيه في المزيد من الأعمال الجيدة. الصغرى عزيزة يقايض بها مع الباز أفندي الذي يضمن له عقد العمل مع العصابة الأجنبية، ظاهريا مهمته معهم هي خادم سفاري، في شخصية أقرب لرئيس الحمالين الأبله بمغامرات طرزان، لكنه في الحقيقة مجرد واجهة لعمليات التهريب. ابنته الكبرى حميدة يعتبرها تهمة سماوية ويسعى (حرفيا) لإلصاقها بغريب خفيف العقل تعرف إليه منذ ساعات، ونصب عليه لتوه في صفقة السفينة. عملية التزويج نفسها كان يتغاضى فيها عن محاولة ابنته للتقرب من إنسان الغاب طويل الناب.
وضمن حديثه المسموم على المسرح، يرسل بشفرات خفية إلى الجماعة الإرهابية التي تم حظرها للتو.. ألم يقل "أيها الإخوان"؟ هذا هو مفتاح الرسالة، وعلينا البحث عن باقي العناصر. إصراره وضغطه المتكرر على كلمة "تو" بالتأكيد هو جزء من الرسائل المشفرة.
لكننا لا نكاد نرى الشر في شخصية الريس حنفي. نتذكر فقط كلمته التي لا تنزل الأرض أبدا، ولكنها تنزل بعد تحذير متبطن في نداء الزوجة القوية العفية. يكون هذا كافيا لنعتبره جناحا ديموقراطيا داخل تلك العائلة البائسة، التخبط والأداء المرتعش نعتبره محاولة منه للمقاومة وسط الشر الكلاسيكي المحيط به.
يستريح الناس للنماذج، بمجرد رؤية الراقصة لاتانيا والعصابة ستُحيلك الذاكرة إلى عشرات الأدوار التي كانوا فيها أشرارا، هم أشرار طبيعيون والأسماء الأجنبية تضفي فقط بعدا دوليا على المؤامرة، ويعاونهم الشرير السينمائي الأصلي الباز أفندي ي دور محامي الشيطان (ساقط توجيهية، وكيل أعمال وسمسار مراكب وقباني وبالعكس، وعليه ربطة كرافتة ترد الروح حسب ما يعتقده الريس حنفي والمزيد من السيدات المتشوقات إلى الأناقة الغربية).
من الطبيعي أن يأتي الأشرار من الخارج، هذا مريح إضافة إلى أنه في الحقيقة دورهم الطبيعي، ومعهم الشرير الوسيط، ولكن ضررهم لا يُقارن بالشرير الأبله الذي يُضحكنا. تخيل مهمة هؤلاء الأشرار بدون حركة كرش الريس حنفي، والدويتو الخاضع أمام زوجته، سيكون من المستحيل إتمام "العملية بطن الزير"، بدون حركات إلهاء واستعباط.
لكن مشهد تدشين السفينة عابرة البحار يكشف لنا عن مستوى آخر من الإلهاء: تم تصوير المشهد من 3 زوايا، الزاوية اليسرى تعتني بتقديم مثلث الإغراء الذي تسيطر عليه عزيزة (في مظهر مارلين- مونروي صاعق بضفائر مراهقة قصيرة(، الزاوية اليمنى من بطولة ثنائي العبط ابن حميدو وحميدة اللذين يرتجلان في أداء صامت ينتمي إلى كوكب آخر. الإلهاء بالإغراء والعبط.
أما الزاوية الوسطى فتنقسم إلى مقاسين، مقاس متوسط لزوم تفخيم مظهر المتحدثة الرسمية باسم عائلة الريس حنفي، ومقاس آخر واسع يُظهر هؤلاء المجتمعين في الصيوان من الخلف، ويقدمهم كمجموعة متنوعة من الأقفاء (جمع قفا)، فهذا قفا بلدي، قفا عامل، قفا أفندي.. وهكذا (كلهم صيادون في النهاية)، مهمتهم هي التصفيق في كل وقفة بالخطاب، والرقص على نغمة "تو"، كما يتطوع أحد الهتيفة مرتين بتحية العائلة التي تعتلي المسرح.
يبدو «الصياديون» وكأنهم سبب آخر للضحك، أو البؤس في الحقيقة، لكن دعونا نتذكر أن سمعة "نورماندي – تو" كانت معروفة للبلد كلها، بمن فيهم المستثمرون الغريبون، حتى أن حسن أفندي عديم الخبرة كاد يفككها على رصيف الميناء. قد يكون «للصياديون» دور في عملية النصب، لكن الحقيقة أن 20 جنيها هو مبلغ يستحيل توزيعه على هذا الجمع، وهم يعرفون هذا، مما يدفعنا إلى الاعتقاد بأنهم في الحقيقة يتماهون مع هذه البلاهة المؤسسية المحيطة بهم، وأن دافعهم هو حبهم للاحتفال والضحك من وقت لآخر، أيضا الفرجة على الجميلة الشقراء، ولن يضر الهتاف لمجاملة كبراء البلد.
لكننا، وإياهم، نعرف جميعا كيف انتهت الأمور:
تتجه مدام حنفي إلى السفينة "نورماندي – تو" وتدشنها بزجاجة كما تقتضي التقاليد البحرية العريقة، وتنزلق السفينة نحو المياه الهادئة، لتغرق في ثوان معدودة وتستقر في القاع. لا مفاجأة الآن.
في اليوم التالي، وفي مشهد لا نراه، يشترك الجمهور مع الريس حنفي في انتشال الغارقة، يبدون جادين كما تستدعي هذه الظروف السيئة، غاضبين لأنهم يتحملون عبء تنظيف الفوضى التي أحدثها هذا الشرير العبيط، وربما تكون هذه مقدمة، أو ترضية مؤقتة، حتى ظهور الأشرار الحقيقيين الذين تسببوا في كل تلك البلاهة.

- نُشر هذا المقال على بوابة الشروق بتاريخ 4 يناير 2014

لمشاهدة حفل تدشين السفينة "نورماندي- تو:"


Saturday, January 18, 2014

أصول الملامسة



اليد باردة ومنتفخة. تحسستها محاذرا أن أحرك الكانيولا التي أصبحت جزءً من نسيجها، وستتقادم غدا ليبحثوا عن مكان آخر لها.
أتحسس اليد ممتنا بعد ليلة مجنونة قضيناها سويا في أروقة وغرف تؤدي إلى العناية المركزة.
أتذكر علاقتي بهذه اليد، باطن الكف في الحقيقة، منذ سنوات بعيدة، عند عودته من الحج، كنت أنتظره عند حاجز المطار، وأرى العيّال ينطلقون نحو ذويهم بمجرد رؤيتهم من بعيد، في تواطؤ واضح من الحواجز التي تتسع قضبانها لجسد طفل دون الثامنة، مع موظفي الأمن والأهل أيضا.
عندما جاءت اللحظة، قمت بما يتوجب عمله، جريت حتى وصلت إلى ذات الكف، كانت في مستوى رأسي. كانت هناك تربيتة على وجهي احتوته بالكامل، لكني شعرت بالسخافة وأعدت بصري للجمهور المنتظر.
قالت أمي في أسبوعها الأخير إنها نادمة لعدم اعتيادها على تقبيل أولادها وأن تتحسسهم. كنا 3 ذكور، ولسبب ما صرنا جميعا متحفظين، وفي واحدة من زياراتي الأخيرة لها ترددت قليلا وأنا "أطبع" قبلة على جبينها، وعرفت هي ذلك، ونقلته إلى خالتي.
كانت هناك قبلة واحدة طويلة على جبينها، صادقة وغير مترددة، لكن الأم لم تكن حية لتدرك هذا.
في جلسة لاحقة، بعد عدة سنوات، نفس الخالة شعرت بأنها بحاجة لمعانقتي وشقيقي؛ نفس التردد، وكأنها تطبع العناق.
عندما أدخل البيت يكون في انتظاري ولدين في ارتفاع كفي، أحدهما، على الأقل، يدرك وصولي قبل حتى أن أصل إلى الباب، يتلقيان تربيتة الكف بسعادة، ويبادلاناها بتقرير الكوارث اليومية، وهو شيء لم أكن أجرؤ على فعله.
يقول أحدهما إنه لا يريد أن يصبح عجوزا مثل جده، هو يريد أن يصبح مثلي وليس أكثر. نفس الفكرة كنت أعتقد بها منذ وقت قليل، أنني لا أكبر، حدث هذا منذ ثانية واحدة على الأقل.
كان جدي رجلا مهيبا، ينقصه كلاشنكوف ليصبح أحد المجاهدين الأفغان كما وصفه صديق لي، لكن سر مهابته عندي كانت في طوله، كان طويلا لدرجة إعتقادي لفترة أنه يقطع أي مشوار في خطوة واحدة، بينما ألهث أنا للحاق به. في المرات القليلة التي أمسك فيها بيدي، كنت أتعلق بها، حرفيا.. خاصة تلك المرة التي تهت فيها بمحطة القطار.
تحكي خالاتي أنه كان رجلا قويا ومخيفا، قبل أن يتحول إلى طفل بريء بين أيديهن في أيامه الأخيرة. كنت أصافح يده النحيلة التي امتلأت بالنمش، وأراقب جسده وهو يغوص في السرير حتى صار أرق من البطانية التي تغطيه.
أتذكر أول لمسة يد مع فتاة؛ لم أشعر بشيء، وعندما تكرر الأمر مع يد أخرى، قلت لنفسي إن الموضوع مبالغ فيه، ولم أقل لهن هذا بالطبع.
ومنذ سنوات، قابلت فتاة غريبة الأطوار تمارس التدليك للأطفال الرضع، زميلة لي رفضت الفكرة ووجدتها منحرفة، وكنت أتمنى أن أصور رفضها بالهيستيري، لكنها في الحقيقة رفضت الفكرة بحسم، قالت فقط إنه "شيء خاطئ"، وانصرفت.
ولا أحتاج لتدليك فردي النينجا هؤلاء في البيت، فمزاحنا حيواني يليق بقطيع من الذئاب، ويتألف معظمه من العض الهين. أما عن التدليك، فهو موجود، عندما يقفان فوق ظهري لمطاردة العضلات المرهقة. الصغير بمجرد أن يتمالك توازنه فوق ظهري، فإنه يقفز عليه بطريقة تكفي لبعثرة كل نقاط الشاكرا العزيزة.
ثم يطالب بأن أحمله "حليب يا لبن"، ثم دور آخر للأكبر، وآخر تعويضي للأصغر صاحب الفكرة.. وهكذا.
أتوقع النصف الثاني من الدائرة: الولد الصغير، وهو الأكثر ودا في قطيع الذئاب الصغير، بعد سنوات، عندما تتصاعد من تحت إبطه الرائحة الشهيرة وهو يمر بالصالة مرتديا الفانلة الحمالات التي تكاد تنفجر بسبب عضلاته البارزة، يقابلني وأنا في رحلتي اللحوحة إلى الحمام، بمثانة محترقة، أقف وأنظر له بمعنى أنني أطلب مساعدته وأستكبرها في نفس الوقت، وتمر ثانية طويلة، قبل أن يمد يده إليّ، مترددا.. وأتلقاها ممتنا.
أمتلك كفا ضخما، في الحقيقة قابلت شخصا واحدا فقط يمتلك كفا أضخم مني، وهو ليس أبي بالمناسبة.
وعليّ أن أعترف أنه كف ناعم ومرفه، أقصى خشونة له قد تأتي من ممارسة الرياضة، وعندما خرجت زوجتي من غرفة العمليات بعد الولادة، وهي تحت بقايا تأثير التخدير، سألت عني، فقالوا لها إنني أمسك بيدها الآن، ومن تحت طبقات المخدر أصرت أن هذه ليست يدي. كانت يد خالة لها تداعبها.
تكتسب أيادي الأمهات المخضرمات خشونة من كثرة التعامل مع الماء وغسل المواعين.
وفي أوقات أخيرة، عندما يعجز الكبد عن الاستمرار بمهمته، ويصبح الجسد أغبى من أن يقوم بتصريف السوائل الزائدة، فإنه يحتجز المياه في تجاويفه، ويصير الجلد مشدودا، والبشرة بلاستيكية ناعمة. تنتفخ الأطراف، ورغم تسارع ضربات القلب تصير باردة.
أعود إلى اليد الباردة المنتفخة، وأتمنى أن أوصل لها بعض الدفء قبل أن تبرد يدي أيضا.

-        نُشر هذا كمقال في بوابة الشروق بتاريخ الخميس 16 يناير 2014، مع تعديلات للمدونة

Saturday, November 23, 2013

سنوات الكوّر الضائعة: عن الألم القومي الذي نحب استعادته



إنها إحدى ساعات الصباح المزدحمة بالقاهرة، تعلن المذيعة عن المواجهة المصيرية للمنتخب المصري التي ستؤهله لكأس العالم، إلا أنك، وبدون إشارة من صناع الفيلم، لا تحتاج لإدراك إلى أي مدى يبدو المشهد كله معتادا (المواجهة المصيرية وليس الزحام). تضيف المذيعة للديباجة المعتادة أن القرعة الإفريقية "وضعت" المنتخب في المواجهة، كأنه مصير لا فكاك منه، ولهذا صار علينا التحسب له في أكثر لحظات تفاؤلنا، وهو ما فعله المخرج "إياد صالح" بفيلمه الوثائقي القصير، حيث يبدأ الفيلم بصوت المذيعة كأنها تطرح سؤالا مرعبا، ثم تعود نفس المذيعة قبل النهاية لتعلن نفس الخبر، وكأن الفيلم نفسه يتحفظ في الحلم، أو هو يتجنب الحديث عنه تجنبا للحسد.


"سنوات الكوّر الضائعة لماذا لا تصل مصر إلى كأس العالم؟" هو الفيلم الوثائقي السادس للمخرج إياد صالح (بالإضافة إلى كتابة وإخراج الأفلام الروائية والبرامج)، معتمدا على تمويل صغير من خلال شركة "Handmade-Studios"، ومنطلقا من فكرة بسيطة وشعبية بشكل غير معتاد على الأفلام الوثائقية التي تهتم عادة بموضوعات جافة ليست الكرة من بينها، وهي عن ذكريات جيل الشباب الذي عاصر الفشل المتتالي للمنتخب المصري، حيث تحولت هذه الذكريات إلى وسيلة تعذيب مستمرة لهم.

"بعد 24 سنة من طيش رجلين لاعيبة مصر قدام مرمى الخصم، اتحول كاس العالم في عيون الجيل ده لضلع المربع اللي بيكمل بيه المستحيلات التلاتة".. يبدأ الفيلم مرحلته الحاسمة بهذه الجملة، ليلخص مراحل الإخفاق في 5 لقطات أساسية فارقة تمتلئ بالتفاصيل المرة والساخرة:

-        طوبة زيمبابوي ومجدي طلبة (1994): بعد الفوز على زيمبابوي في القاهرة، تم إلغاء نتيجة المباراة بسبب ألقاء الجمهور بالحجارة على مدرب الضيوف، وأعيدت المبارة في مدينة ليون الفرنسية، حيث أضاع مجدي طلبة هدفا جرح به الشعب المصري كما يقول "عمر طاهر" (كاتب يظهر كشاهد على الأحداث).

-        هدف وايا (1998): في مباراة مصيرية أخرى أمام ليبريا، التي خرجت لتوها من حرب أهلية، ولا يوجد بها إلا نجم واحد هو "جورج وايا" (والذي كان يتكفل بالفريق ماديا وترشح بعدها لرئاسة بلده)، ثم إحرازه هدفا في مرمى عصام الحضري أطاح بنا من التصفيات، وأجبر الحضري على حلاقة شاربه بعدها.

-        السعيد / عمارة (2002): إخفاق جديد، أمام المغرب هذه المرة، وأثناء تفوق طاغي للمنتخب المصري، حيث أضاع السعيد انفرادا محققا، ووقتها كان واحدا من أفضل لاعبي مصر، ثم في مباراة العودة يحرز مصطفى حاجي هدفا أسطوريا، ثم في مباراة أخرى يضيع محمد عمارة هدفا في مرمى الجزائر الخالي، ويقول أحمد شوقي (أحد الشباب المشاركين) أن هدفا كهذا لم تكن قطته المنزلية لتضيعه.

-         تارديللي (2006): يصف المشاركون أن هذه المرحلة كانت عبارة عن عملية نصب قام بها المدرب "ماركو تارديللي"، وانتهت بتصفيات مهينة أمام منتخبات الكاميرون وساحل العاج.. وبنين.

-        أم درمان (2010): الصعود إلى الهاوية، فبعد فترة شعرنا فيها بأننا أفضل منتخب إفريقي، وبعد فوز 4 مباريات على التوالي، وصل الأمر إلى مباراة حاسمة أمام الجزائر في أم درمان، انتهت بهدف صاعق.. للجزائر. لا حاجة للمزيد من التعليق.

تكوين الفيلم كلاسيكي رغم موضوعه غير المعتاد، فهو يعتمد على شهادات مجموعة من الشباب الذين شهدوا الانكسارات الكورية الدورية حتى صارت اعتيادية لديهم وتستحق السخرية، والتجديد هنا هو في إتاحة الفرصة للكلام بصيغة تبتعد عن رسميات الأفلام الوثائقية، مع تدخلات قليلة من مخرج الفيلم في دور الراوي، وبالطبع مع خلفيات متعددة من تسجيلات المباريات.

ينتهي الفيلم بتحفظ على آمال التأهل عن طريق غانا، فبعد استعراض 5 مراحل من الفشل (وآخرها كان قاسيا للغاية في الحقيقة)، يلعب الفيلم على الألم لا الأمل، من حيث كون هذا الألم جماعيا وصالح للتداول حاليا بعد نزع الدسامة منه.

إلا إن الفيلم ليس حزينا، على الإطلاق، هناك لقطات تبعث على الفخر وسط الهزيمة (خاصة خلال مباراة الجزائر)، وهناك انتقادات لطريقة تفكير المصريين والكرة نفسها، وهناك سخرية حارقة لدرجة أن أحد الشباب المشاركين يتكرر عدم درايته بالأمر على الإطلاق (هناك احتمال أن يكون يؤدي دورا مكتوبا)، والمشاركون أنفسهم يتحدثون بجدية عن رغبتهم في تعذيب لاعبي المنتخب على إضاعتهم لكل هذه الفرص، وعنوان الفيلم نفسه مقتبس عن عنوان برنامج "سنوات الفرص الضائعة" لـ"مصطفى الفقي"، وينتهي الفيلم بالشباب يعلنون "بتحفظ" عن أملهم في التأهل، وهي لقطة يكسر جديتها وهشاشتها عبارة ساخرة لأحدهم يطالب فيها الفريق "عبد الفتاح السيسي" بأن يتخذ كل ما يلزم من أجل ضمان تأهلنا.

ويظل الفيلم دليلا على أن كأس العالم صار "ألما قوميا محببا"، فقد تم إطلاقه قبل يومين فقط من مباراة مصر وغانا التي انتهت بنتيجة كارثية (وننتظر معجزة سماوية حقيقية لكي نعوضها في لقاء الإياب بالقاهرة في مساء 19 نوفمبر)، وعكس ما كان يتوقع صناع الفيلم، فقد أظهرت نتائج عرضه على يوتيوب اهتماما متزايدا بالموضوع رغم الهزيمة الثقيلة، حيث جذب الفيديو 170 مشاهدة على يوتيوب في اليومين السابقين للمباراة، ثم قفز الرقم إلى 250 ألف مشاهدة في الأيام الحزينة التالية (حسنا، لم تكن حزينة جدا وانتقلنا كلنا سريعا إلى حالة السخرية والأمل العبثي)، واستمر الاهتمام بمشاهدة الفيلم في الشهر الفاصل بين المبارتين، ليصل الآن، قبل ليلة من المباراة الثانية، إلى 510 ألف مشاهدة.

إنتاجيا، يعني هذا أن أرض يوتيوب على وشك أن تثمر مالا لصناع الأفلام الصغيرة أيا كانت نوعيتها (بغض النظر عن النجاح الاستثنائي للمذيع باسم يوسف الذي نمى نجاحه بمساعدة شركات إعلامية ضخمة)، وأن كرة القدم، والنستالجيا الحزينة المؤلمة، يصلحان لصناعة أفلام ناجحة خارج سيطرة مؤسسات السينما والإعلام التقليدية.

 - نُشر المقال في "بوابة الشروق" بتاريخ 18 نوفمبر 2013 بعنوان: شاهد فيلم «سنوات الكوّر الضائعة».. الساحرة التي تعذب المصريين كل أربع سنوات