Pages

دليفري للبهوات

Wednesday, January 5, 2011

الآن أصمت

لا أعرف، هناك أمور تبدو معقدة أثناء التفكير بها، لكنها تنحل تلقائيا عندما تبدأ في الكتابة عنها، الكتابة تشجع على التفكير، تجبرك أولا على تفريغ الكراكيب التي تملأ رأسك في ورقة لتبدو كأسوء ما يكون، ثم يمكنك تجميع هذه الكراكيب العصبية لتصل إلى الشكل القابل للتداول مع الآخرين.

شخصيا لا أحب أن أبدو نصف عاقل بلوحة كمبيوتر تتيح له تسجيل ما يشاء، كما أنني أخاف أن يُساء فهمي، حتى لو كان جمهوري يتلخص غالبا في شخص واحد (صيدلي وكاتب تقع مدونته على الناصية القريبة من مدونتي ويشجعني دائما بتعليقاته).

لهذا كنت قد قررت الانتظار لأطول فترة ممكنة قبل أن أتكلم عن حادث تفجير كنيسة الإسكندرية (وكأن أحدا ينتظرني لأكتب بينما هناك مليون صفحة على الأقل عن الموضوع). لن أبدأ بمدخل التنديد ووصف الحادث بالإرهابي، فهو كوصف الماء بالماء، وهو ميزة تجدها لدى من لا يتوقعون أن يسمعهم الكثيرون. قل شيئا جديدا ومفيدا، أو اصمت الآن.. هكذا أقول لنفسي.

اسمع أنت الآن.. كل شيء متصل ببعضه، نحن نعيش في شبكة أوان مستطرقة كونية، ما تعتبره حدثا اليوم هو مجرد خلفية لحدث الأسبوع القادم. عندما أبلغني صديق بوقوع الحادث بعد ساعة تقريبا من وقوعه، تذكرت سؤال وجهته له الصيف الماضي: هو الإرهابيين راحوا فين؟

لم يكن سؤالا بالمعنى الفني لعلامة الاستفهام، كنت ألفت نظره إلى أن جزء من توحش "لا نظام مبارك" (حقوق الملكية ترجع لمحمد طعيمة في تلك التسمية) يرجع إلى كونه قد تغلب على معظم خصومه المحليين والخارجيين (لا تصدق أن الأخوان خصوم له)، في التسعينات كانت الجماعات الإرهابية وظهيرها المتطرف شوكة في جانب مبارك ونظامه (سأتوقف هنا عن كتابة "لانظام" لأنها مربكة للعين وعليك فهمها ضمنيا بعد ذلك)، لم يكن هذا المقاول الكبير يجرؤ على بيع الغاز لإسرائيل والتآمر في وضح النهار ضد الفلسطينيين وضرب المعارضة وحماية اللصوص بينما جبهته الداخلية غير آمنة وكرسي الحكم لا يزال دافئا بعد اغتيال صاحبه السابق.

كان مضطرا لتنفيذ خططه في الخفاء خوفا من هؤلاء، مع بناء منظومة ضخمة للإلهاء الإعلامي والسياسي تستخدم الإرهابيين أنفسهم في استجداء الغرب، وكان مجبرا على معادلة ضخمة تتطلب القضاء على الإرهاب بمساعدة باقي المجتمع.

عندما كنت طفلا لم أفهم أن تفجير شارع شبرا كان موجها ضد الأقباط (المسيحين يا سيدي فكلنا أقباط بالتاريخ)، فهمت فقط أن الناس كانوا يمشون ويتاجرون ثم هبت عليهم موجة نارية من المسامير والشظايا لتطيح بأشلائهم دون ذنب يُذكر، ومقارنة باغتيال رفعت المحجوب، كنت أرى (وأنا طفل والله) أنه الأخير صراع بين حكومة فاسدة وإرهابيين يائسين لا يستدعي تعاطفي مع أي من النوعين، من موقع الطفولة لم أكن راصدا جيدا للمجتمع من حولي، لكني أشهد أن الجميع كان ينظر بتبلد إلى صورة سائق المحجوب وجمجمته مهشمة على زجاج السيارة. كان هذا مثل حوادث السيارات، بشع لكنه لا يستدعي اهتماما أكبر من اختلاس النظر على جانب الطريق.

أقارن هذا بقشعريرة إنسانية وجدتها عندما رأيت صورة امرأة من ضحايا الحادث، وقد تجرد مخها من عظم الجمجمة وجلدها وشعرها، صديق لي نشر الصورة بغرض إجراء صدمة لهؤلاء الذين يتعاملون مع التفجير على أنه "مجرد حادث"، وها أنا قد ساعدته في الترويج لصورة المرأة المسكينة.

لا أعرف، أعتقد أنه لا أحد يتعامل معه من هذا المنطلق، زملائي المسيحيين في العمل قالوا لي أن سلوكي كان اعتذاريا (شخصيا أرى أنه لا يجب عليّ الاعتذار عن سلوك لا يخصني ولم أقره مسبقا كما أن الاعتذار هنا إجراء سخيف وغير مفيد)، زميل آخر من النوع الذي يغطس في اللعب بهاتفه البلاكبيري الجديد عندما تأتي سيرة السياسة، جرب وضع علامة الهلال والصليب على صفحته بالفيسبوك ورأيته يتفحص متحسرا صفحة "مريم فكري" التي راحت ضحية الحادث. على نطاق أوسع، كانت هذه أول مرة أرى إدانة من الداعية السلفي محمد حسان، وأثناء إنهاء التدوينة اتصل بي صديق آخر يستغرب أنني لن أشارك اليوم في صلاة الدروع البشرية وقال إنه سيذهب ليعزي ويشد على يد أي شخص وخلاص (سيحتاج لارتداء جلباب أبيض ويطيل لحيته حتى يكتمل مشهد العزاء التليفزيوني).

المصريون عفويون. هناك من أشار في البداية إلى حادث العمرانية كمحفز للتفجير، لكن بمجرد انتشار الصور والفيديوهات انكتم الجميع وهو يتخيلون أنفسهم جثثا ممزقة على جانب الرصيف لمجرد أنهم مروا أمام كنيسة في الوقت الخطأ. إذا اقتربت منهم أكثر سيشعرون بالربكة، ثم يرددون عبارات فارغة حفظوها من أفلام حسن الإمام ونشرات التوعية التليفزيونية.

وكعادته، لم يُقصر الإعلام في التنديد (التنديد يصيب بالإدمان وهو ضار جدا بالصحة)، في صبيحة الحادث استدعى برنامج "صباح الخير يا مصر" أحد المشايخ وتركوه يتحدث في الفترات التي يعجزون فيها عن الوصول إلى مصطفى الفقي وعلي الدين هلال (الأول بذل مجهودا مضنيا في جميع القنوات لدرجة أنك تكاد تحسبه مذيعا محترفا بدوام جزئي)، وندد الأزهر (هل في ذلك خبر؟)، وخرج مبارك من عزلته في شرم الشيخ ليضيف تنديد رئاسي آخر، كما توقفت مجالس الشعب والشورى والموازي عن تسليتنا ونددت (تم تأجيل جدول التسلية لأسبوع على الأكثر)، التقط المشايخ صورا مع القساوسة، وسار رجال الإعمال مع عمال مصانعهم في وقفات (تخيل!)، شارك الفنانون بنظاراتهم الشمسية (والفنان في وقفات سريعة تحظى بالتغطية التليفزيونية الملائمة وأعادوا تحذيرنا من الوهابيين الذين استولوا على البلد.

أحيانا تكون السخرية مغرية. المسافة بين الفقرتين الماضيتين هي الفارق الذي أراه بين التعاطف الحقيقي والتنديد الميكانيكي ذاتي الاستجابة (يعمل خلال ساعة بدون شحن مع وجوب التنسيق الحزبي). ورغم توافر النوعين إلا أنه لم يكن كافيا للبعض، وقبل أن تسيء فهمي كما هو معتاد (عادتنا الوطنية)، هذا البعض ليس مسيحيا.

أولا دعونا نتجول في أحد أفرع الأوان المستطرقة. بعد أيام من حادث الأقصر الإرهابي تم تحميل اللواء حسن الألفي النتيجة ثم ارتدى البيجاما المنزلية المريحة. قارن هذا بحبيب العادلي الذي عرف منذ شهور أن هناك تهديدات حقيقية ضد الكنائس المصرية وتقريبا تجاهل المعلومات (جزء كبير من قواته كان مشغولا في تأمين عدة عشرات من الإسرائيلين في مولد أبي حصيرة)، ورغم أن سجل فشله أصبح أثقل من كل أسلافه، يبدو أن مبارك لديه المزيد من الصبر عليه طالما أنه هو شخصيا لم يتعرض لاعتداءات.

سأجعل موقفي واضحا تجاه العادلي: أنا أكرهه كما أكره كل رجال الصف الأول والثاني بالنظام (صديق لي يضيف الصف الثالث أيضا)، هؤلاء يدركون جيدا فساد مقصدهم ولا فائدة من الحوار معهم (لقد حولوا الحوار إلى رياضة صباحية بدون مغزى آخر غير نفسها). وكنت أراها فرصة نادرة للتخلص منه بعد دستة من التفجيرات في جنوب سيناء والقاهرة تتحمل وزارته ما بها من تقصير أمني.

في جنازة الضحايا كان غضب المسيحيين لأول مرة متوجها في الاتجاه الصحيح عندما هاجموا كل رموز النظام الذين حضروا الجنازة (ومنهم مفيد شهاب المبعوث الشخصي لمبارك)، لأول مرة كان الغضب الخام صحيح الاتجاه ضد من يمنعون بناء الكنائس، ويقيدون ترقي المسيحيين في الشرطة والجيش والوزارات (السلفيون يمكنهم الكلام كما يحلو لهم على الفضائيات لكن أحدهم ليس وزير الداخلية ولا القوى العاملة)، غضب لم يتلوث بعد بالوعود والاتفاقات التحتية وكان يمكن أن يؤدي إلى نتيجة ما أفضل من مسلسل الاحتواء التنديدي المرسوم مسبقا.

بالأمس شارك بعض الناشطين المسلمين في تظاهرة مسيحية بشبرا، وكان غرضهم واضحا لإشعار المتظاهرين أن المصلحة مشتركة، ثم أثناء التظاهرة قامت قوات الشرطة بانتقاء هؤلاء الناشطين من ضمن الجميع واعتقلتهم، لتوجه لهم تهمة الاعتداء على ضباط الشرطة (لا أعرف كيف يمكن لنشطاء الفيسبوك الاعتداء على ضباط الشرطة المدربين لسنوات على إجراءات الإهانة والتعذيب). لقد تعدى هؤلاء النشطاء الخط المرسوم، وهو خط يسمح بتظاهر بعض المسلمين أمام كنيسة القديسين هاتفين "الله أكبر"، بينما لا يسمح بانضمام مسلمين في تظاهرة تطالب بحقوق المسيحيين، لأن الأخيرة قد تنقلب إلى المطالبة بحقوق الجميع. تظاهرة مثل هذه كان يمكن أن تطيح بسفاح الداخلية، وليست هذه بنهاية سيئة لأسبوع دموي.

فيما يخص مصالح المسيحيين المكلومين، طالب رفعت السعيد بإصدار قانون بناء دور العبادة لكن شهاب كتمه ببراعة واتهمه بإثارة الجمهور (السعيد كان ينفذ دوره كما تسلمه في السيناريو القديم لكن لم يبلغه الآخرون أن هناك تعديلات يقتضيها الموقف)، تم الإفراج عن باقي المتهمين في أحداث العمرانية وكأن شيئا لم يحدث ولم أعرف حيثيات الإفراج (سيقول المسلمون أنها محاباة لكن قولهم سيكون من قلة الذوق بينما سيصمت أنصار الدولة المدنية الخيالية عن هذا الخرق القانوني)، لن يتغير شيء في باقي المطالب (ربما يُؤلف شهاب قانونا جديدا للأحوال الشخصية ويريح البعض)، والعادلي باق حتى الكارثة القادمة وما بعدها (الشعب في خدمة الشرطة).

كارثة مثل هذه كانت فرصة لكي تطعن خصمك وسط الزحام، وعوضا عن غرس أسناننا في لحم الطاغية، كان الأسبوع الماضي وقتا لتصفية الحسابات التاريخية، صباح الحادث وجهت فريدة الشوباشي نقدها إلى شيوخ الفضائيات على بث التطرف بين المواطنين البسطاء (على أساس أن هؤلاء البسطاء هم الذين يختارون لواءات الجيش والشرطة ويفصلون القوانين)، ورغم مسارعة جماعة الأخوان المحظورين (من حظيرة) بالتنديد الإجرائي، فإن معظم الكتابات حملتهم المسؤولية، وأصبح محمد سليم العوا هو المحفز الأول للإرهاب بمعركته الشهيرة مع الأنبا بيشوي، ومحمد البرادعي مخطئ لأنه لم يقطع رحلته للنوبة.

حتى الآن لم يتم الكشف عن منفذي الحادث، ولا أظن أن هذا سيحدث (هناك نقص كبير في المختلين عقليا الذي يجيدون تركيب القنابل)، مع احتمال أن تكون أطرافه خارجية تماما (وفي هذا راحة للمسلمين والعادلي الذي سيطلب زيادة في ميزانية الأمن المركزي لمواجهة القاعدة)، وفي أحد جروبات الفيسبوك تلميح بأن يكون نظام مبارك هو الذي نظم التفجير في هذا التوقيت الحرج انتخابيا، بحيث نتوحد جميعا على انتخاب مبارك حتى نهاية الزمان (منذ ساعات أقر مجلس الوزراء تعديلات ثالثة على الدستور بخصوص الانتخابات الرئاسية تتيح الاستمرار في المسرحية).

لا أريد أن أبدو عديم الإحساس، ولكن كانت هناك فرصة واحدة للتوحد ضد العدو المشترك الذي ينظم المسارات التحتية للتطرف ببراعة، وقد ضاعت في تصفية الحسابات، والآن سنصمت حدادا ونعطي الطاغية المزيد من الوقت، لكن السنة في بدايتها، وهي تشبه كثيرا 1951.

Monday, December 27, 2010

أفلام الرئيس وعائلته على اليوتيوب

لا يحتاج الأمر إلي تكاليف ضخمة لكي تصنع دعاية سياسية، منذ أكثر من عامين وظف الحزب الوطني المخرج الكبير "شريف عرفة" والمذيع الأكبر "عماد أديب" لصنع فيلم وثائقي عن الرئيس "مبارك"، والنتيجة نعرفها كلنا عندما لم يؤثر الفيلم في ميول الناخبين المصريين، لا يحتاج الأمر لفيديو أصلا ما دام الجميع لديهم المعرفة الأساسية بموضوعات مثل أزمة الخبز وأسعار الوقود وتصدير الغاز لإسرائيل، لكن المعارضون يحتاجون إلي أفلام من نوع مضاد، ورغم أن غزو المعارضة للإنترنت بدأ من أعوام قليلة، إلا أنه بشكل عفوي غير منظم، يزدحم موقع "YouTube" بأفلام دعاية مضادة ضد الرئيس وعائلته، أغلبها ساخر وبمعني قصير الفتيل كأغلب النكت المصرية، مع مسحات واضحة من الأسي والغضب، وأحيانا الإبداع الفني.
أكثر الفيديوهات قسوة وشعبية علي الموقع يحمل اسم "مصر.. حسني مبارك"، وضع الاسم بهذه الطريقة يفيد واضعه في ربطه بسهولة مع أي فيديو آخر يحمل اسم "مبارك" أو "مصر"، وبالفعل أفاد هذا في زيادة عدد مشاهدي الفيديو الذي بلغ أكثر من 264 ألف مشاهد، وهو رقم كبير قياسا علي عدد مستخدمي "يوتيوب" المصريين، وحصل علي تقدير 4 من خمسة. الفيديو نفسه ينتمي لفن "الفيديو آرت" المصمم ببرنامج "فلاش"، يبدأ الفيديو بخريطة مصر تظهر عليها عبارة "مملكة مبارك"، علي خلفية موسيقية لواحدة من أشهر أغنيات "سعد الصغير"، مجرد ذكر اسم الأغنية سيعطي الفرصة لإغلاق الصحيفة والموقع حسب قوانين النشر الجديدة التي تمنع حتي إهانة رؤساء الدول الأخري، لكن كلنا نعرف الأغنية المقصودة.
بذل مصمم الفيديو مجهودا كبيرا بعد ذلك في تركيب صور مبارك علي خلفيات جديدة، مثل صورته بتاج الملكية، أو وجهه مكان وجه الملك "فاروق" مع عبارتي "آن الأوان" بالعربية و"ملك مصر للأبد" بالإنجليزية. بعد هذا ينتقل الفيديو لعلاقات الرئيس مع "جورج بوش" وصورة "جمال مبارك" في الخلفية، وصورة أخري مأخوذة من مؤتمر صحفي للرئيس وخلفه علم إسرائيل. الفيديو استفز 418 تعليقا من المشاهدين، كان آخرهم قبل 3 ساعات من كتابة المقال، رغم أن الفيديو نفسه موجود علي الموقع منذ 3 شهور وأكثر. التعليقات كان أغلبها يهنئ مبدع الفيديو، وبعضها يعلن عن إضراب 4 مايو، أو إعلان عن صلاة الغائب لشهداء المحلة، والتحقت بها شكاوي زيادة الأسعار مؤخرا فقط، أحد المعلقين نشط في الدفاع عن الرئيس وتجريم صاحب الفيديو، مستخدما اللغة الإنجليزية، مع تفرغه للرد علي معلقين آخرين، أحيانا بألفاظ جنسية بذيئة، واتهم صاحب الفيديو بأنه واحد من "فلسطينيين قذرين" وعد بفضح أسمائهم قريبا علي الموقع.
فيديو آخر أقل شعبية، لكن مستواه الفني أكثر ارتفاعا، مقَّدم كرسالة شعرية إلي السيدة الأولي "سوزان مبارك" علي نغم النشيد الوطني معزوفا بطريقة بدائية كما يحدث في طابور الصباح بالمدارس الحكومية، الرسالة التي تنضح بالأسي مقدمة من طفل ظهر في التليفزيون مع "ماما سوزان" أيام "الوفاء والأمل"، ويصف صاحب الفيديو نفسه بأنه كان "واد هبلون" بينما ترسم يده صور لتليفزيون ورسم طفولي لسيدة، ثم يمسح الراسم الصورتين وهو يعتذر لسيدته عن الأغنية التي تعكس صوت الحرية. ينقلب حال الفيديو بمجرد بدء الرسالة نفسها؛ بوجود موسيقي سريعة هناك طفل اسمه "شعبان" يعمل هو وإخوته في بيع البرشام، وشاهده الفنان بنفسه وهو ينافس كلب شوارع علي الطعام، كم مليون طفل مثل شعبان؟ يتساءل الرسام ويضيف أنهم يخلعون ملابسهم من أجل "ظباط الفرعون"، ويحلمون بالبيت والمدرسة والطعام والأمان. الفيديو جذب أكثر من 83 ألف مشاهد، وبتقدير 5 نجوم، مع تعليقات لا تزيد علي 21 فقط، ربما لأنه أكثر إتقانا وغير زاعق مثل الفيديو الأول، وكل التعليقات تهنئ صاحبه بالفكرة الجيدة التي انتقدت بصدق، وبدون التورط في الإهانات الشخصية. حقوق الملكية الفكرية للفيديو ترجع إلي "ماتودينيش في داهية"، وهو اسم افتراضي لهذا الفنان علي اليوتيوب، وسيتكرر كثيرا إذا تابعت شبكة الفيديوهات التي تؤدي إلي بعضها بشبكة لا تنتهي.
إذا كان هناك تفكير حقيقي حاليا لحجب مواقع فيس بوك واليوتيوب، فعلي الحكومة في الفترة القادمة أن تمنع أجهزة الموبايل المزودة بكاميرا فيديو، فالفيديو القادم كان منتشرا في السابق بين أجهزة المحمول، لكنه انتقل إلي الموقع مؤخرا فقط، وفيه يظهر سائق سيارة وهو يقلد الرئيس، بنفس الصوت واللهجة، متحدثا عن مفاوضات مع "شارون" رئيس وزراء إسرائيل، مستخدما نفس حركات الأنف والفم، ولحظات التردد إياها. حجم المشاهدات هنا بلغ 174 ألف مشاهد، وبنفس التقدير، و88 تعليقاً أغلبها عن الإضراب ومواضيع أخري عامة عن الفساد.
نفس الفنان السابق، وضع فيديو آخر كتهنئة للرئيس بعيد ميلاده، اسم الفيديو وموضوعه يوحي بأنه تهنئة حقيقية، وهو يبدأ بيد تشعل شمعتين أمام صورة للرئيس، مع أغنية "سنة حلوة يا جميل"، لكن فجأة ينقلب الفنان ويستبدل "يا جميل" بألقاب أخري هي أيضا يعاقب عليها قانون النشر الجديد، ويكراها أعضاء جمعية "شباب المستقبل"، لكن أغلبنا يعرف ما قاله الفنان، ونحسده علي الحرية التي أتاحها له فضاء الإنترنت.
بالحديث عن الأسرة الرئاسية، لا يمكن المرور بصمت علي الرئيس القادم، فيديوهات كثيرة اتخذت من "جمال مبارك" مادة لها، أحدها فيديو قديم بتقنية التحريك ثلاثي الأبعاد يظهره علي خلفية شعار الحزب الوطني، "فكر جديد"، وهو يغمغم بكلام غير مفهوم لكنه يتلقي تصفيقاً رهيباً من الحاضرين علي هذه الغمغمة، وهناك فقرة أخري جديدة من "ماتودينيش في داهية" عبارة عن مقطع صوتي بدون صورة، أغنية تأتي من وجهة نظر "جمال" وهو يروج لاتجاهاته، مثل أن ينفي تشابهه مع شقيقه "علاء"، ويقول أنه ملك الجمال ويرشح نفسه للتوريث.
لا يمكن في مقال واحد حصر عشرات من الفيديوهات الساخرة ضد الرئيس وعائلته وحاشيته، ومع الدعاوي الحالية لحجب مواقع مماثلة، فإن اليوتيوب ليس خفيا عن أعين إخصائيي التكنولوجيا في مباحث أمن الدولة، وبشكل تقني يمكن حجب مثل هذه المواقع، السعودية استثمرت في مشروع ضخم لحجب المواقع الجنسية وغير العائلية، وغير الملكية، لكن هذه الجهود تفشل عادة لأن هناك طرقاً جانبية تتيح تجاوز وسائل المنع، والحل الآخر أمام أمن الدولة هو تتبع مشاهدي الفيديوهات وصناعها، الآن هناك قرارات تجبر شركات المحمول علي جمع بيانات مستخدمي شبكة الواي فاي في المطاعم والكافيتريات، وهناك مشروع آخر يجري لتسجيل كافة بيانات أي مستخدم للإنترنت في مقاهي الإنترنت والأماكن المزودة بشبكات لاسلكية، أما مستخدمو المنازل فتعقبهم نجح منذ زمن طويل طويل عن طريق شركات الإنترنت نفسها، بسماحها لضباط الداخلية بالولوج إلي أجهزتها لمعرفة عناوين المستخدمين. واقع من الكوميديا السوداء أكثر منه سياسياً، ويذكرك بروايات "جورج أورويل"، عالم يراقبك فيه الأخ الأكبر، وتسيطر "وزارة الحقيقة" علي كل من فيه.


كتبت هذه المقالة في مايو 2008، ونُشرت في جريدة البديل.. أرغب في كتابة شيء عما حدث في عامين ونصف: أفلست البديل، وكذلك تقريبا عمرو أديب الذي قرأت بالأمس مقالة كتبها ضده عبد الله كمال يبشره فيها بالـ "الخروج المطمئن من مهنة الصحافة والإعلام"، عبد الله كمال كان قد بشر قبله إبراهيم عيسى بأن أيامه قاربت على الانتهاء، وبعدها تم منعه من الظهور تليفزيونيا وتم تفجير جريدة الدستور من الداخل، منذ أيام تم وقف برنامج "مانشيت" لجابر القرموطي، وكذلك "القاهرة اليوم" لعمرو أديب منذ شهور، ومنى الشاذلي تشغل وقت برنامج "العاشرة مساءً" بلقاءات مع الفنانين وفقرات عن الإنترنت، قامت الدنيا ضد قتلة خالد سعيد وقعدت دون تأثير يُذكر، إسرائيل تتمتع بالغاز المصري رغم قررات القضاء وسامح فهمي يفكر في استيراد الغاز لسد العجز الداخلي ثم يرشح نفسه لمجلس الشعب، وينجح، ثم يقف مبارك وسط مجالسه التي تلهج بحكمته ويقول: "خليهم يتسلوا".

انتهت

Sunday, December 26, 2010

كاتبو الخطابات

كنت أعتقد دوما أن إرسال شخص ما خطاب إلى كاتبه المفضل أو المطبوعة التي يهواها هي خطوة تحتاج إلى خلل نفسي ما في هذه الشخصية، بريد القراء حافل بالنماذج الإنسانية بالغة الغرابة،لكن خطوة التعبير عن الرأي لشخص أو جهة غير محددة تحتاج فعلا أن يكون المُرسل بعيدا إلى حد ما عن حقائق الحياة البسيطة، وهي أنه يرسل رأيه إلى فضاء واسع وبعيد،وفي الفضاء لا يسمع أحد صراخك.

بينما أفكر في هذه المدونة، كنت أقلب في مواقع الجرائد اليومية، وعادة ما تعتمد وجبتي الرئيسية على مقالات الكتاب، عادة ما أراجع تعليقات القراء بحثا عن رأي إضافي أو لاستكشاف رأي الجماعة في الموضوع، اليوم وجدت أحد أهم التعليقات التي تبرز الخلل النفسي الذي أراه: رجل يعترض على تأخر جريدة الشروق عن نشر تعليقاته، وهذا كثيرا ما يحدث بسبب عجز إداري بالموقع، المهم أن الرجل يعلن أنه معتصم هاهنا الآن بهذه الصفحة اعتراضا على المعاملة السيئة، ولم يحدد كيف يمكن للموقع أن يرد له حقه، ثم استطرد بإنه سيقلع عن التعليق عقابا للموقع، رغم أن التعليق يظهر منشورا الآن، لكنه في الغالب سيقلع عن إقلاعه بمجرد ملاحظته هذا.

النماذج لا تنتهي،في مجلة سينما جود نيوز اعتاد أحدهم أن يرسل خطاباته المخلصة على ورق كراسة من النوع الذي كنا نتسلمه أيام المدارس الأميري، واعتاد وائل حمدي مدير التحرير وقتهاأن يحتفظ بهذه الخطابات النادرة التي لم تكن تحمل أي توقيع، ثم في مرة نشر تنويهاعنها في ملف عن أبرز الخطابات التي وصلتنا، وبعد أن سنوات غادر حمدي المجلة وتسلمت بعده باب البريد، وأجدهم يدفعون لي بخطاب يحمل البصمة الورقية إياها، لكن هذه المرة يعلن اسمه ويعترف باللعبة العجيبة التي مارسها طوال الوقت مع حمدي، ثم يطالب باشتراك مجاني في المجلة.. لعله أدرك من نفسه أن اللعبة قد انتهت بتغير طرفها الثاني.

أحيانا تندهشعندما تجد تعليقا إلكترونيا يُبلغ عن انفجار أنبوب مياه بينما المقال الأصلي عنالسياسة، وفي مرة أعطاني محرر تحقيقات خطابا ورده من شخص يدعي أنه محافظ الفيوم وأنه لواء سابق وينتسب أصله لمحمد علي باشا ويبدو من خطابه أن ثلاثة عقول اشتركت في كتابته بالتوازي. قلت للمحرر صديقي أن يحتفظ بهذا الخطاب لأنه تحفة إنسانية أصلية عن الخلل النفسي الذي أعنيه، بل أنني رجوته لاحقا أن يعطيني نسخة من هذه التحفة.

مع بزوغ فجر مهمة التعليق،ظهر للأمر فائدة لا يمكن مقاومتها، فحتى لو لم تكن تتمتع بالخلل إياه، فيمكنكممارسته مؤقتا لتفريغ طاقتك، يمكنك مثلا أن تمارس أقصى قدر من الخطورة مثل المعلق الذي كتب أسفل أحد أخبار الرئيس "لو كان مبارك رجلا لقتلته"، وهو تعبير بارع لكنه لم يبرد نار صاحبه فكتب في السطر التالي "يا مبارك يا ابن الـ..... "،غالبا سيشعر هذا المعلق بإثارة بالغة تدفعه لمغادرة الشبكة أياما وأسابيع، وهو يظن أن أمن الدولة تقلب المواقع بحثا عنه (هم يراقبون معظم شبكتنا بالفعل لكنهم يتمتعون بنفس غباء موظفي البلديات). الأمر كما لو أنه صرخ بأعلى صوته أمام مرآة الحمام المغلق جيدا، وكما يقول واحد من أصدقائي: الرجل ذو اللحية البيضاء الذييكتب التاريخ لن يقلق نفسه بتسجيل سيرتك عندما تكون تافهة بالفعل.

الآن، وفي خضممعارك التغيير والتوريث والتسليم بالحكمة الحاكمة، ظهرت مهنة جديدة في مساحات التعليق: المعلقون الخاصون. أشخاص يتولون الدفاع عن هيئات معينة وأشخاص نافذون، ينتحل الواحد منهم عدة أسماء في الصفحة الواحدة، وأحيانا يكون الهدف هو مجرد الرد على ما يدعيه الكاتب، أو الرد على مؤيديه، أو حتى إثارة صراعات جانبية تتجاوزالموضوع الأصلي لتجنح إلى وصلات شتائم حلقية لا تنتهي. بالأمس قابلت واحدا منهؤلاء.

المكان كان بأسفل مقال للسفير السابق إبراهيم يسري في جريدة الشروق، يشرح فيها عدم خضوع وزارة البترول لأحكام القضاء بشأن تصدير الغاز لإسرائيل، وعلاقة هذا بانقطاعات الكهرباءالمتكررة. عادة لا يثير السفير يسري قدرا كبيرا من التعليقات، لكني وجدت دستة منها تهاجمه بوصفه مجرد سفير يدعي الخبرة بشؤون البترول، وأنه يسعى للدفاع عن وزيرالكهرباء، وأنه هو الذي لا يحترم أحكام القضاء.

ما رأيته لم يكن كافيا لدفعي إلى التعليق، فالرجل رد بأدب على منتقديه وقال أن هناك خبراء غيرهيهتمون بالقضية، الحقيقة أنني كنت في ذات المزاج المختل الذي يدفع الناس لإرسالالخطابات إلى محرر البريد على ورق منتزع من قلب كراسة قديمة. كنت أيضا منتشياباكتشاف صغير، فبعد مراجعة ما كتبه منتقديه، وجدت أن التعليقات كلها ترجع لشخص واحد، اثنين على الأكثر.

تكون مهمة الكتابةشاقة للمبتدئين، كلنا كنا نركز في كل حرف لنا ونحن بجملنا الأولى، بعد مدة، يصبحالهاجس المسيطر على الكاتب هو ملاحقة أفكاره المتصارعة وتركيزها تاركا المهامالأساسية إلى جزء جانبي من عقله، ولهذا فإن لكل كاتب بصمة مصدرها هذا الجزءالجانبي: استخدام الفصلات، الهمزات، النقاط، العلامات، طريقة التساؤل، ألفاظ معينة، معدل تكرار حرف الجر المفضل، تقديم الفاعل وتأخير المبتدأ. الأهم من هذاكله هو الوعاء الذي يستقي منه التعبيرات والألفاظ، والأخطاء الشائعة إملائياونحويا. وهي كلها دلالات تشير معظمها لصحة استنتاجي. بأنه مُعلق مأجور، وأفترض أنه مأجور لأنه لا شيء يجبره على انتحال عشرات الشخصيات في قضية واضحة لمعظمنا.

ملعبة، بدأت فياستفزاز هذا الشخص، كنت أريد معرفة كيف يتصرف كاتب تعليقات مأجور. يعتمد هذا النوع من البشر على اختفائهم وسط كتلة عشوائية ساخنة من المعلقين المخلصين في اختلالهم،معظم الأخيرين لا يقرأون المقالات جيدا، وهم يرغبون في التعبير عن أنفسهم أكثر من مناقشةالمقال الأصلي، ولهذا تتوجه تعليقاتهم غالبا ناحية سطر معين استفزهم، وفي وسط هذاالجمع الغريب يمكن لأي أحد أن يصنع رأيا عاما بالصفحة إذا شارك بكثافة. يتحدثالسفير عن عدم شرعية بيع الغاز لإسرائيل فينتقد المعلق المأجور عدم كونه خبيرا بتروليا (الحقيقة أنه لا خبرة في مصر بهذا المسمى).

قلت له أنت نرمين ومجدي وعمرو ومصري.. وإلى آخر أسمائك المستعارة، فرد عليّ باسم جديد يتهمني أنا الآخر بترويج الخرافات وعدم الخبرة، مما أسعدني لأن ضربتي وفقت، نقلت ادعائي لمستوى اتهامه بأنه مأجور وأنه يتلقى من أوامره من الوزير، واستخدمت نفس أسلوبه ففتحت معركة جانبية حول شركة افتتحها وزير البترول لتعيين أبناء الكبار فيها، وفعلا جاءمعي في الطريق الجديد وانطلق يدافع عن نموذج الاقتصاد الوطني البترولي، مع نفس الاتهام بعدم الخبرة.

في لحظة ما أمسكت بنفسي وأنا أكاد أسبه بأهله هذا المأجور الجاهل الغبي ابن الـ .....، يتهمني بانعدام الخبرة.. وماذا لو عرف أنني خبير فعلا بشهادتي في الجيولوجيا؟ مقتضيات الحياة الحديثة في مصر أصبحت تغرينا عشرات المرات يوميا بأن نعرف الآخرين بقدرنا وقدراتنا، وكأننا في إشارة مرور ضخمة يكرر فيها الكل سؤال: أنت عارف أنا مين؟

آه، هكذا إذن تتطور المشاجرات أسفل المقالات، تذكرت أن الأمر لعبة، لا مغلوب فيها ولا غالب، فهو سيظل للأبد قارئ السطر الواحد كما تقتضي مهمته، ولن يسجل رجل التاريخ أنني أحرجته أو أنه خرج بدون أن يعرف قدري. في النهاية اشترك شخصان في التصارع على مساحة صغيرةبالفضاء الواسع الذي لم يسمع أحد فيه صراخهما.